السبت، 4 مايو 2013

اجلسي ... حتى

اجلسي ... حتى

فقالت اجلسي يا بنتي حتى تعلمي كيف يقع الأمر. لأن الرجل لا يهدأ حتى يتمم الأمر اليوم (را 3: 18)

إن التسليم لله هو أعظم ما يمكن أن يقوم به الإنسان. إنه التوكل على الله، إنه وضع الثقة القلبية البسيطة فيه. إنه الاعتماد على أمانته. إنه الاتكال على كلمته. إنه الإيمان في الله الحي القدير. ثق أنه ليس خمولاً أن تنتظر عمل الله. « اجلس » لا تستعجله. استعجالك لله يعيق عمله « اجلس حتى تعلم كيف يقع الأمر ».

استمع لحكمة الجلوس، تقول نعمي: « لأن الرجل لا يهدأ حتى يتمم الأمر اليوم ». نحن نجلس وننتظر لأنه هو يضع يده الإلهية على أمورنا البسيطة كما هي على الأمور الهامة. إنه يديرها ويحولها جميعاً إلى ما فيه مجده وفائدتنا أيضاً. « الرجل لا يهدأ » أي رجل؟ « الإنسان يسوع المسيح » (1تي2: 5). كُن متأكداً بأن نهاية كل أمر يتعهده هذا الإنسان المبارك لا بد وأن تكون نهايته ناجحة.

يا نفسي « اجلسي حتى ... » حتى تعلمي قصده السامي في ما منعه عنك. « اجلسي » حتى يزيل الغيوم. حتى يبدد الضباب الكثيف. حتى يزيح الجبال ويكسر الحواجز. حتى يبدد الظلمات ويحل العقد. حتى يُجيبك بالسلام. حتى « نراه وجهاً لوجه ». حتى « نكون مثله ». حتى « نعرف كما عُرفنا » حتى « يفيح النهار وتنهزم الظلال ». حتى يأتي. يا له من رجاء مبارك ربما يتم اليوم! « اجلسي » « اجلسي ».

يا نفسي « اجلسي » استسلمي لمشيئة الله المرضية وانتظري وقته الذي فيه يحّل عقدك ويعلن لك طريقك. عندئذ تعرفينه بصورة أفضل وإذ تعرفينه يشبع قلبك. حقاً إن فرح الاتكال عليه بعزم القلب، فرح السكون في محبته وسط الظروف الصعبة، يجذب نفسك إلى ذلك المستوى العالي، مستوى الثقة فيه.

« اجلسي حتى » حتى متى؟ ـ « حتى يتمم الأمر ». يوجد تتميم للأمر، دعيه يسير في الأمر حتى إتمامه. وماذا تكون النهاية؟ قد لا نعلم. قد تكون بحسب الظاهر فشلاً. قد تجلب عداوة وسوء تفاهم واضطهاداً، وفي الظاهر كل المتاعب والاندحار. قد تظهر كأنها انهيار لكل مشروعاتنا وهدم لآمالنا أو حتى ضياع لحياتنا. ولكن النهاية ليست هنا. ما يُحسب هنا في الأرض خسارة، يُحسب هناك في السماء « ربح ». هناك ينقلب الهوان إلى مجد، والصليب إلى إكليل. في ذلك اليوم سنشكره لأجل نعمته الكاملة الغنية التي مكّنتنا من أن « نجلس حتى أتم الأمر ».

و.ج. هوكنج

الاثنين، 29 أبريل 2013

طلبة بولس الاسير

طلبة بولس الاسير
بقلم : يوحنا داربي

هذا ما كان الرسول يتمناه من اعماق قلبه لاولئك المحيطين به , ان يكونوا مثله ما عدا تلك القيود .. كان يمكن ان يقول لاغريباس الذي قال له "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا" كان يمكن ان يقول له : "ليت هذا يكون بالفعل , وقد كان الرد عندئذ حسناً وبحسب المحبة , لكنني لا اود ان نكون قد ووجهنا بحالة مثل تلك التي عبر عنها الرسول الذي كان قلبه مفعماً بالمحبة هذه , ان القلب السعيد هو الذي يمكنه ان يتصرف هكذا بشكل طبيعي .
كان الرسول مضطراً ان يقول ما يعرفه او بعبارة اخري ان يعبر عما كان يجيش في قلبه الذي كان يستمتع بمركزه في الله , كانت نفسه في منتهي السعادة حتي انه كان يتمني للاخرين ان يتمتعوا بنفس الشئ , ان الفرح دائماً يكون مملوءاً بالتمنيات الطيبة , وبالفرح الالهي والمحبة , لكن ما هو اكثر من ذلك فإن هذه الرغبة تصور لنا حالة نفس الرسول (من الداخل) بغض النظر عن ظروفه , فرغم سجنه الذي دام اكثر ن سنتين , كان قلبه سعيداً سعادة كاملة , كانت سعادة لا يستطيع هو نفسه ان يعللها , وكل ما كان يتمناه هو ان جميع الذين  كانوا يسمعونه – حتي الملك نفسه – يكون مثله ما خلا هذه القيود .
هذه هي نتيجة تلك السعادة الغريبة التي تتولد في النفس التي قبلت المسيح قبولاً كاملاً . فهي تمتلك سعادة لا تترك النفس متمنية لأي شئ . وهي دائماً مصحوبة بنشاط للمحبة يعبر غنه بالرغبة ان يكون الاخرين متمتعين مثلها , ونحن نري هنا ما هو اكثر : انها سعادة لا يمكن ان تتأثر بالظروف الخارجية , انها ينبوع من الفرح ينبثق من داخل النفس , لقد كان الوضع الظاهري للرسول بولس ابعد ما يكون عن ان يولد مثل هذا الفرح , لقد كان من مدة طويلة معداً ان يتوقع قيوداً ومصاعب لكن لم يحركه شئ من كل هذا , ولا حسب نفسه ثمينة عنده "وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ" (اع 20 : 24)        .
كان بولس قد أُخذ الي الحصن بسبب عنف الشعب , كان يُجرّ من ضيقة الي ضيقة , وامضي سنتين في السجن مضطراً ان يرفع شكواه الي قيصر , وملخص تاريخه هو انه كان انساناً معرضا ان يبكي وان تستنفد طاقته مضغوطاً عليه من كل جانب , من كل ما من شأنه ان يكسر قلبه ويثبط عزيمته , لكن لم يحدث أي شئ من ذلك , وهو يتكلم قبل المحاكمة عما كان قاصداً ان يفعله في اورشليم لا عن آلامه , كان في وسط كل هذه الامور – كما يقول هو نفسه – يدرب نفسه ان يكون له علي الدوام ضمير صالح بلا عثرة من نحو الله والناس – كانت كل هذه الظروف الصعبة التي اجتاز فيها , عقيمة بلا اثر ولم تصل الي قلبه , كان في نفسه سعيداً , ولم يكن يبغي شيئاً إلا تلك السعادة لأجل نفسه أو للأخرين , والسعادة التي تملأ النفس بالرضا والاكتفاء التام هي بلا شك سعادة ممتازة . صحيح انه كان مكبلاً بقيود , لكن هذه القيود الحديدية لم تصل الي قلبه , فلا يمكن ان الذي حرره الله تقيده قيود , وهو لم يبغي شيئاً لا لنفسه ولا للأخرين الا ذلك التحرير الكامل بيد الرب , وكل ما استطاع ان يتمناه هو ان يكون الجميع مثله لكن بلا قيود .
وسنتأمل فيما يعطي تلك السعادة وهذا الهدوء للنفس الذي لا يترك شيئاً للواحد ليشتهيه . قد يكون لنا فرح الي نقطة معينة , لكن لن يكون لنا سلام طالما هناك شئ نتمناه ولم يتحقق , لكن في بولس نستطيع ان نري سعادة كاملة , وكان عنده محبة طليقة ومتأججة نحو الاخرين , وبلا ادني شك هو لم يبلغ الي الكمال , كما قال هو نفسه "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ" (في 3 : 13) لكن كانت توجد عنده سعادة ومحبة , كان يمتلك سعادة كاملة , واذ كان امام حكام وملوك محاطين بكل مظاهر الابهة , كان يتمني لهم ان يكونوا مثله , وكانت شهادته من القوة بحيث قال أغريباس "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا" (اع 26 : 28) .
قد نجد هنا اشخاصاً كل ظروفهم مؤلمة ولهم حزن في القلب , حسناً . لقد كان بولس في ظروف يمكن ان يوصف بها انه من "أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ" (1كو 15 : 19) , فلم يقتصر الامر علي انه كان يتألم بل ان عمله قد توقف , لك يكن في استطاعته ان يهتم بامور قطيع الرب العزيز عليه , وكل ينبوع كان يمكن ان يجلب له السعادة في هذه الظروف قد خذله , ورغم انه بحسب الانسان كانت له المبررات الكافية لأن يشكو , لكننا نجده هناك نموذجاً للسعادة , فلم يكن ما يتمتع به من سعادة معتمداً علي أي ظروف خارجية ,  لأن هذه الظروف لم يكن من شأنها ان تجعله سعيداً , وهناك اشخاص يتصورون انه لو اجتمع هذا الظرف مع ذاك لكانوا سعداء , لكن هذه الظروف لم يكن ممكناً ان تزود بولس بالسعادة التي كان فيها , الله وحده هو المصدر الذي استقاها منه . يمكن ان تكون عندنا ظروف محزنة , لكن السعادة التي كنا نتحدث عنها تواً لم تكن لتتأثر بهذه الظروف .. ونحن نحتاج ايها الاحباء الي قوة وثبات تلك السعادة , لأننا لو عرفنا ظروف هذه الحياة سواء بين الاغنياء او بين الفقراء , فسوف نري ان الاحزان لن تحرمنا من الوصول , لكننا اذا عدنا الي العلاقة مع الله فلابد اننا سنري المصدر الذي استقي منه بولس هذه السعادة .
وبولس قبل تجديده لم تكن عنده تلك السعادة , لم تستطع امتيازاته كيهودي ان تمنحها له , فقد كان له ضمير صالح كإنسان , لكن لم يكن هذا الضمير مستنيراً , لقد فعل كل ما كان يظنه واجباً عليه لمقاومة الرب يسوع (اع 26 : 9-10) , وما اكثر ما يتم خداع الضمير عن طريق التعليم او الثقافة (وهذه كانت حالة بولس) , قد اتبع تعليماتها واطاع املاءاتها , وعن طريق هذه الامور عينها كان يقاوم الرب يسوع بكل ما اوتي من قوة , وفعل بخالص ارادته اقصي شر ممكن , ومن جهة بقية الامور كان متعلماً تعليماً جيداً في ديانة ابائه , فريسي حسب المذهب الاضيق , وقد كان في منتهي النشاط , وكان متميزا بسبب غيرته , وقد تعلم عند رجليّ غمالائيل , وكان موجهاً من قبل رئيس الكهنة (ع12) وكان في حرب علنية مع الرب يسوع , فنحن علي ما يكون فينا من ضمير , ومع كل تديننا , وكل تعليمنا وثقافتنا ومع مصادقة حكماء هذا العالم علي ما نعمل , قد نكون في حرب علنية مع الرب .
وتمتعنا بكل هذه الامتيازات لا يمنعنا من ان نكون مفلسين امام الله , وياله من امر رهيب ومؤلم ان نكون مفلسين امام الله , والحالة تكون اخطر عندما لا تسعفنا تلك الامور التي طالما بالغنا في تقديرها , وهي ليس فقط لم تسعفنا بل انها كانت عوامل ادت الي حالة من العمي لنفوسنا . فمع ان الرسول كان له ضمير صالح , ورغم انه كان ورعاً وموجها من اناس حكماء , إلا ان كل هذه الامتيازات لم تؤدي في النهاية الا الي وضعه في حالة حرب مع الله , قد يفتخر الواحد ويباهي , ويقول كما يقول كثير من الناس – لا يمكن لأي احد ان يقول شيئاً علينا , ولكنه في الختام يكتشف ان كل هذا في لم يؤدي بنا الا الي الصدام مع الرب .
وللجسد ديانته كما ان له شهواته ايضاً , وهو يفعل كل شئ ليعوق الضمير من ان يتقابل مع الله , فعندما كان بولس يتصرف حسب الجسد , كان راضياً عن نفسه وقانعاً بعمل الخير الذي كان يعمله , وهذا حسم قضيته , فالديانة التي يستعملها الجسد توضع في الميزان لكي تطبب الكفة اذا ما قال له ضميره : انت لم تكن بالضبط حسبما كان ينبغي ان تكون , فإن التدين الذي يضيف بعض المظاهر وبعض الطقوس والمماراسات مما يستطيع الجسد ان يحققه , يضع كل هذا في الميزان فيهدئ الشخص نفسه , ويستريح هناك , وهذا ليس إيماناً , لأن الإيمان يقرب الانسان من الله , فربما يكون هناك واحد بلا ديانة امام الله , وواحد اخر له ضمير مبكت علي الخطية , وايضاً واحد له اهتمام عظيم بدينونة الله علي الخطية حتي انه لا يفكر في ديانته , وعلي العكس ربما واحد لا يكون له أي ديانة , ولا يوجد أي شخص هنا اذا ما وجد في محضر الله يمكن ان يفكر في تدينه , ان الديانة العالمية لا تخدم الا عندما لا نكون محتاجين اليها , اما عندما نحتاجها سواء امام عدالة الله او عندما يكون القلب منكسراً , فلا يكون لها وجود , فهي لا تعمل الا كوسيلة لتحولنا عن الاحساس بحاجتنا كخطاة وذلك الاحساس الذي كان يمكن بواسطة النعمة التي اوجدته ان يقودنا الي العلاج الصحيح , الي ذاك الذي كان في مقدوره ان يقدم لنا خدمة حقيقية في الوقت الذي كان فيه هذا الاحساس لازما لنا .
وما الذي جعل بولس سعيداً ؟؟ كان ما اسعده , لكن هذا لم يكن فوراً , لأنه عرف انه كان يحارب الله عندما التقي بالرب , وهو في طريقه الي دمشق , قبل ذلك كان قانعاً وراضياً عن نفسه , لكن لا اكثر (انظر ص 9) , ولكن الرب يسوع ظهر له في مجده وبكته علي خطيته ومكث ثلاثة ايام بلا طعام او شراب مضطرباً بسبب لقاءه مع الرب يسوع , لم يكن في تلك الساعة في الوضع الذي فيه يمكن ان يقول " كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيل وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلاَ هذِهِ الْقُيُودَ " .
وقد ارسله الرب الي دمشق ليسمع كلمة الله , وبعد ثلاثة ايام من المعاناة التي سببها هذا الاقتناع بأن يسوع هذا الذي كان يقاومه بكل هذا الغضب – الاقتناع بأنه هو نفسه الرب – ونفس هذا الرب ارسل اليه حنانيا , وعندئذ لنا ان نري كم كان التجديد كاملاً , فمن عدو تحول الي ان يكون صديقاً ليسوع ورسولاً للنعمة , هذا ما يفعله الله , من شاول المضطهد بحنق الي بولس الشاهد المقتدر لمحبة الرب يسوع المسيح .
كان بولس ذا ضمير حي وكان غيوراً علي ديانة ابائه , لكن مع كل ما كان عنده من ضمير ومع كل تدينه كان عدواً لله , كان في اقصي درجات الشر , او كما يصف نفسه بانه اول الخطاة , ومع ذلك ففي ظرف ثلاثة ايام تحول الي ابرز واحد من رسل النعمة , وكيف حدث هذا ؟ انه امر غاية في البساطة , لقد تعرف علي الرب يسوع , لم يظهر فوراً ما كان مزمعاً ان يكونه , لأنه ارتعب عندما رأي حالة الموت التي كان فيها , لكنه استمع في القلب الي صوت الرب يسوع .
وسواء كنت يهودي او اممي يستوي الامر طالما ان النفس لم تتعري امام الله , والضمير لم يُبكت علي الخطية , ولم يدرك الشخص ان كل تدينه ما هو الا عداوة لله , والتبكيت علي الخطية لا يأتي للجميع بنفس الطريقة , فتوجد ظروف متعددة , لكن لابد من الوصول الي نفس النتيجة ان تتعري النفس قدام الله .
يوجد مسيحيون مساكين محتقرين من جانب المعتبرين الذين ينعتونهم بصفات مهنية , فإلي هؤلاء المحتقرين والمستهدفين بسبب ايمانهم , الي هؤلاء يكشف الرب عن علاقته معهم بكيفية اكثر ايجابية , والاعلان الذي اعلنه الرب يسوع الي بولس هو ان هؤلاء متحدين معه اتحاداً كاملاً , فيقول له : انا عبارة عن كل هؤلاء الناس الذين تضطهدهم , لقد رأي بولس المجد , والذي قد رأه هو الرب يسوع نفسه, الذي أظهر له انه يضطهده هو شخصيا باضطهاده للمسيحيين , فيقول له الرب يسوع " أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ " , كانت توجد في تلك الايام فوارق في الايمان وفي الصبر , وفي التقوي بين المسيحيين , لكن الرب يسوع يحملهم جميعاً علي قلبه , ويقول عنهم : انهم انا , وبهذا قد حدث انقلاب عظيم في بولس , المتعلم , المتدين , المضطهد , فكلما زاد منسوب التدين حسب الجسد , فكلما زادت عداوتنا للرب يسوع , كلما زاد المظهر الخارجي رونقاً , وكلما زادت مقاومتي لنعمة الرب يسوع .  والذي يتمرغ في الخطية لا يمكن ان يتظاهر بانه محب لله , من اجل انه يحتاج الي من يتصالح معه .
اما بالنسبة لاولئك الذين امنوا , فالمسيح يتحد نفسه معهم , في هذا المكان يوجد مؤمنون , كما ان هناك اخرون غير مؤمنين , وبين المؤمنين توجد بدون ادني شك درجات متباينة من الروحانية , لكنني استطيع ان اقول عن جميع الفئة الاخيرة انهم جميعاً واحد مع الرب يسوع , ومن الواضح ان هذه الحقيقة البسيطة من شأنها ان تغير كل شئ في حالة النفس , حقيقة الاتحاد مع ذاك الذي هو في المجد .
في وقت لاحق اختطف بولس الي السماء الثالثة , واعطيت له اعلانات ثمينة وعندما اسره المشهد في الطريق الي دمشق , كان يحتاج ان يعمل كثيرا من التقدم , لأنه ظن نفسه انه هالك الي ان جاء حنانيا وشرح له ما جعله يفهم ان الرب يسوع كان يحتاج اليه (اع 22 : 14) اذ قال حنانيا لبولس " إِلهُ آبَائِنَا انْتَخَبَكَ لِتَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، وَتُبْصِرَ الْبَارَّ، وَتَسْمَعَ صَوْتًا مِنْ فَمِهِ. لأَنَّكَ سَتَكُونُ لَهُ شَاهِدًا لِجَمِيعِ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ " لكن من اللحظة التي عرف فيها الرب يسوع حق المعرفة , اصبح واحداً معه , وعرف هذه الحقيقة .
اذن فمهما كانت ظروف بولس , سواء في اورشليم او في قيصرية , امام قيصر ام امام فستوس استطاع ان يقول انه يريد ان جميع الذين يسمعونه يصيرون مثله ما خلا القيود , لأنه كان يعرف مقدار ما يمتلكه في المسيح – كانت الحقيقة التي امتلكت كيانه هي انه اصبح واحد مع المسيح , بالطبع كان امام بولس ان يتعلم الكثير من الرب , لكن رغم ذلك كان واحد معه , لقد فهم انه عندما كان يطضهد المسيحيين المحبوبين من الرب يسوع فانه كان يضطهد الرب يسوع نفسه "لماذا تضطهدني؟" . وكلما اقتربنا اكثر من الرب يسوع كلما عرفنا اكثر وبشكل افضل ان الذي يمس اخوته " لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ " (زك 2 : 8) واضيف بعض كلمات قليلة عما لنا في الرب يسوع , فكل ما فينا كان عداوة لله , تديننا , واعمالنا , وكل سلوكنا , حتي اننا نحن في هذه الحالة كان محالاً ان نرضيه , كانت الحالة محزنة لكنها رغم كل شئ كانت حقيقية , وبولس يعترف بذلك , إذ انه لم يعد يٌقدّر ما كان يعتبره "ربحاَ" فانه ينظر اليه الان كأنه "نفاية" (في 3 : 8) , لكنه يفهم ان الجميع بالايمان واحد في المسيح , الايمان يجعله يأخذ مكانه معهم , وهو لا يتساءل اذا كان له ايمان ان يبدأ مناقشة غيبية عن ماهية الايمان , لكنه ببساطة يصبح مسيحياً , لأنه يؤمن ان المؤمنين المسيحيين واحد مع الرب , وهذه هي حياة وبهجة نفوسنا أن نفهم ان المسيح لم يسألنا ا ذا ما كان لدينا ايمان , بل قال "أنا واحد معكم" كان كل شئ خطية في هذا العالم , لم يعد هناك أي وسيلة للدخول في علاقة مع الله , كان ضروريا من اجل اقامة هذه العلاقة ان يأتي المسيح لكي يتمم مشيئة الله , ولكي يعلن للناس الاشرار الاهتمام العميق الذي عند الله بهم , لكن في هذه الحالة ليس علي ما اعمله الا ان اقدّر ما هو المسيح بالنسبة لي , وهذه هي كل مهمتي , فإنني سأجد فيه كل ما من شأنه ان ينزع كل ارتيابي لأنه يعلم كل ما فيّ بجملتي , هو يعرف خطيتي افضل مما اعرفها انا , في ذهابي اليه (أحس) ان قلبي حراً , لأنه يعرف كل شئ , وأنه جاء صريحاً لأجل هذا , اجد كل الحرية وكل النعمة وكل العلاج فيه.
وما هو اكثر من ذلك انني اذ اعرف انه هو الله فإنني اعرفه كالله المخلص , وما اعظم التغيير الذي يحدث في النفس التي تتعامل مع الإله الذي لا يمكن ان ينكر نفسه , والذي هو محبة !! , فهو لم يأتي فقط ليريحني , بل قد اتي لكي يخلصني , والشئ الذي هو عظيم القيمة هو انني عندما اتقابل مع الانسان يسوع المسيح اكون قد تقابلت مع الله , انا واحد معه ليس علي الصليب (إذ انه علي الصليب كان وحده نيابة عني) لكني واحد معه في الامتيازات , لقد حمل قضيتي كإنسان خاطئ , وبذل نفسه كذبيحة كفارية عن الخطية , ولا يمكن ان الله يتوسل من اجل خلاصي لأنني واحد مع المسيح هناك في السماء , ولو انني عذبت نفسي فإن هذا لا يكون الا شيئاً بيني وبين نفسي لأنني لا يمكن ان اعاني شيئاً من التعب امام الله .
لقد عمل الشيطان كل ما في وسعه , لكن ما هذا إلا ليبين ان كل قوته قد تحطمت الي الابد , لم يبغي شئ من شأنه ان يقلقني امام الله , فالله عنده كل شئ يجعله المصدر الوحيد للحياة وللفرح , وأنا اجد كل شئ في الرب يسوع الذي فيه "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 2 : 9) , إنني اجد فيه كل النعمة لسداد عوزي وكل قوتي وكل بري .
لقد جاء بر اخر بعد بر الانسان , وهذا البر هو بر الله , لقد اصبح المسيح هو رأس كل شئ , وكل المجد استعلن عن يمين الله , كنتيجة لعمل الفداء الذي عمل عن خطيتي , وهكذا استعلن كل الملء , وقال الرب يسوع بعد ان تمجد انه واحد معنا , وانه قد ارسل روحه ليجعلنا نفهم او ندرك هذا وقال المسيح عنا : انهم انا , وما عليّ الا ان افحص ما هو المسيح , وان افرح في سعيي لأن اظهر ما هو في حياتي , حيث انه قال عن خاصته انهم هو , وقد اعطي الروح القدس لكي يسكن في قلب اولئك المساكين المُعدمين : الختم وعربون الميراث , واذا كان واحد يمتلك الروح القدس الا يكون هذا الشخص مستريحاً (من أي قلق) من جهة نفسه ؟؟ بل العكس تماماً , لأننا عندئذ نكون واحدا مع المسيح الذي يعتبرنا لحما من لحمه , والذي يهتم بكل امورنا , صحيح انه ربما يجرحنا قليلاً , لكنه يفعل ذلك لأنه لا يستطيع ان يهملنا لأننا جسده , وكلما اقتربنا منه اكثر كلما تنبهنا اكثر لهذه الامور , والي جانب حقيقة توحدنا مع المسيح , فلكي نتمتع التمتع الكامل بهذا الامتياز , ولكي يفيض القلب بالفرح بامتلاكنا لهذا الامتياز ينبغي ان يكون الروح القدس فينا غير محزون , فلو ان قلب بولس غير فخور فحتي مع وجود حقيقة التوحد مع المسيح لم يكن في استطاعته ان يقول ليت الجميع مثلي , قد يدرك هذه الحقيقة بعقله بدون خطية , لكن لم يكن في مقدور القلب ان يقولها بالروح القدس , لكن الروح لم يكن ممكنا ان ينسحق سواء بسبب السجن او لسبب أي ضيقة اخري , لم يكن هناك ما يعوق بولس عن التمتع بنعمة المسيح , كان في استطاعته ان يقول انه سعيد في كل الظروف , بل انه استطاع ان يقول للذين يسمعونه اريد ان يكون الجميع مثلي , وعندما قال اغريباس لبولس " بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا " لو ان هذا السؤال  قد وجه لنا , فتري ماذا كانت ستكون اجابتنا ؟ ربما كنا نقول له , حسناً لو صرت كذلك , لكن هل كان في استطاعة كل واحد منا ان يقول له , ليتك كنت مثلي , هذا يبين السعادة الداخلية التي كانت عنده , ما أسعد الشخص الذي يستطيع ان يقول هذا !! ويمكن للجميع ان يقولوها في المسيح , لأن المسيح قال عن الجميع " أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ " لكن ما لم نكن قريبين من المسيح , كما في حالة بولس فلا تكون لنا الحرية .
واآسفاه !! كثيرا ما توجد امور في حياة المؤمن المسكين تجبر المسيح ان يؤدبه , وهناك تنوع واسع في مظاهر هذه المحبة , لكن هذا لا يغير شيئاً من الحقيقة , فأنا واحد مع المسيح , والمؤمن يري في الله كل صلاح من نحوه وكخاطئ لا يجد فيه إلا النعمة , وفي المسيح بر الله , وحياة الله , ومجد الله , وفيه ما يعلن للمؤمن انه واحد فيه , والذي يقول عنه المسيح "أنا" وعنده الروح القدس حتي يمكنه ان يفهم المسيح , ويستمتع به , ولكي يعرف بواسطة هذا العربون ان سعادة الله والشركة معه هي له (من نصيبه) الي الابد , وبحسب حلاوة السلام الذي يؤكد له ذلك , وعندئذ وهو مندهش ومملوء بالمحبة يستطيع ان يقول "كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيل وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلاَ هذِهِ الْقُيُودَ " .
ووجودنا في محضر الله من شأنه ان يحطم كل ما وضعناه لكي يعوق الضمير من ان يكون حياً , ومع كل تدينك هل تريد ان تتعري امام الله الذي امامه كل قناع يتمزق ؟ , ان كل ما نضعه امامنا لكي يعوق رؤيتنا لله , كل الاهتمامات كل المسرات , كل الممارسات الدينية , كلها ستثير اشمئزازنا عندما يستيقظ الضمير , هل انتم مقتنعون ان ضمائركم يجب ان تكون مكشوفه امام الله !! اذا كان الحال هكذا فإن المسيح يمكن ان يقول لكم انتم واحد معي , والله مشغول بكم لأنكم واحد معي مثل اولئك الذين قال عنهم " أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ " .
ليت الله يعطينا نعمة , يا اخوتي الاحباء ان نفهم هذه الحقيقة التي لها كل القوة وكل البركة لنفوسنا .
يوحنا داربي

الأحد، 21 أبريل 2013

راحة الله وراحة المؤمن

راحة الله وراحة المؤمن
عب (4)

انه لامر مبارك رغم كونه – من زاوية ما – امر مرعب للجسد ان يكون علينا ان نتعامل مع الله الذي معه امرنا (ع13) ومع ذلك فما اكثر ما ننسي هذا الامر او نتجاهله .. ان ميل قلوبنا الطبيعي هو ان نتخلص من وان نرهب ونخاف من محضر الله تماماً مثلنا مثل الطفل العاصي الذي يخشي عيون والده , فعلي طول الخط وفي كل الظروف واللحظات , فان الله هو الذي معه امرنا (او هو الذي يتعين علينا ان نتعامل معه) ان الناس الذين يبتغون دائماً الراحة في قضايا ثانوية ينقادون الي الالحاد العملي , وهكذا الحال – بدرجة ما 0 مع المؤمن اذا كان مسترحياً في الظروف فهو يفقد الاحساس بان عليه ان يتعامل مع الله .. لكن سواء كان من اجل البركة ام كان من اجل فائدة الضمير , يتعين علينا ان نتعامل مع الله .
هل نحن نبحث عن السعادة , اين سنجدها ؟ واين سنجد البركة التي لا يستطيع احد ان يمسها او يعوقها او يفصلنا عنها إلا عند الله ؟ فهو ليس فقط مصدر بركتنا بل هو البركة ذات نفسها , توجد في الواقع كثير من البركات الخارجية (المنظورة) ممنوحة لاولاده عرضاً , وهذه البركات يمكن ان يحصل عليها غير المتجددين , لكن قوة وتعزية وفرح المؤمن هو في هذا , انه يتعامل مع الله (او ان امره مع الله ) الله هو مصدر ومركز بركته .
ونجن بمجرد ان نتقدم حقا لأن نعرف الله , فإننا سنعرفه باعتباره الله محبة , واذ نعرف ان كل ما يأتي علينا منه بالرغمن من كوننا في البرية – بغض النظر عن المكان والظروف – فإننا سنفسر كل شئ من منظورة محبته , ربما ادعي لان اجتاز الألم والحزن والتجربة كجزء من معاملاته التأديبية والتدريبية , لكن كل ما يأتيني من عند الله يأتيني من مصدر وينبوع انا أثق فيه كل الثقة , وانا انظر من خلال التجارب الي الله , ولا شئ يستطيع ان يفصلني عن محبته .
وعندما تكون المعرفة بالله ضحلة , وعندما لا توجد الثقة في محبته سيوجد التذمر من الظروف والتبرم والعصيان , وفي مثل هذه الحالة سيكون الشعور بأن علينا ان نتعامل مع الله شعورا بالخوف اكثر منه كونه يسبب الفرح , يقول الرسول يوحنا "وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي ِللهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو 4 : 16) .
وأليس صحيحا اننا كثيرا ما نتوقف عملياً عند الظروف التي نجد انفسنا فيها , ولا نضع اعتبارا إلا لمشاعرنا ولحكمنا (أو تقديرنا) الشخصي لهذه الظروف ؟ , ان هذا برهان علي ان نفوسنا ليست عائشة في كامل الشركة مع الله , ان ما ينبغي ان يشغلنا ليس الظروف بل ماذا يقصد الله منها .
وينبغي ان يكون الضمير نشطاً كذلك , لأنه من الصحيح ايضاً اننا في ضمائرنا علينا ان نتعامل مع الله , وهذا امر مفيد جداً رغم كونه ليس بالامر المحبب "كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا"(عب 4 : 13) , وبعد كل شئ , اليس هو امراً مباركاً يا اخوتي الاعزاء انه لا يوجد شئ يمكن ان يفلت من يد الله ؟ ويالها من تعزية انه يميز أي فكر لنا قد يكون من شأنه ان يعوق البركة أو يطمس الشركة معه! ربما يكون عند شر ما مكتوم (واحد من ربوات الامور التي يمكن ان تعوق تمتعي بالله) وقد يكون هذا الشر عاملاًً في قلبي وانا غير مدرك له , وعندئذ يرسل الله ظرفاً ما يجعلني اكتشف الشر جتي يمكنني التخلص منه , اليس هذا بركة عظيمة لنا ؟! فالظرف لم يخلق الشر الذي اثاره لكنه فقط يعمل علي الشئ الذي يجده في قلبي ويجعله ظاهراً , فمن حيث ان علي ان اتعامل مع الله فلابد ان اعرف الشر الذي بداخلي الذي لم اكن اعرفه قبلاً , ولا عرفت انه موجود هناك , الله يكشف ويميز افكار القلب ونياته , فالله لا يمكن ان يستريح وهو تارك أي شئ موجود من شأنه ان يعوق محبتنا وثقتنا او يشوب راحتنا وسلامنا في شخصه الكريم , وبمجرد اكتشاف الشر ننسي كل الظروف , ولا نري في الافق الا عاقبة الرب .
ومن الطبيعي ان يبحث قلب الانسان عن الراحة ويطلبها هنا , لكن لا توجد أي راحة هنا للمؤمن , لكنه مكتوب "إِذًا بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ!" (عب 4 : 9) ومعرفتنا بهذا الامر شئ ملئ بالبركة بقدر ما هو مشحون بالألم - الألم للجسد , الذي لأنه دائماً ينشد راحته هنا , فلابد ان يصاب بالاحباط , اما البركة فهي للروح التي لكونها مولودة من الله لا يمك ان تجد راحتها الا في راحة الله , كما هو مكتوب عن الراحة انها راحة الله نفسه "يَدْخُلُوا رَاحَتِي"(ع 3 , 5) , فالله لا يمكن ان يستريح وسط خراب الخطية , لا يجد راحته الا في كل ما هو مقدس وطاهر بشكل كامل , ولأن الله الذي لا يسترريح إلا هكذا هو محبة ويحبنا , فهو يجعلنا نفهم انه لابد ان يحضرنا الي راحته هو , الي موضع سروره هو .
لكي تعرف النفس ماهية راحة الله , وليتثبت القلب عليها ولو مرة واحدة , فعندئذ سيكون هناك فرح لا ينطق به ومجيد في أي ادراك حقيقة ان الله لا يمكن ان يستريح فيما هو اقل من استحضارنا الي شركته هو , وسيوجد عندئذ الادراك الكامل الثابت اننا لا نستطيع ان نجد راحتنا في أي موضع اخر , في الواقع توجد مباهج في الطريق , لكن في اللحظة التي فيها نجد راحتنا فيها , تصبح هذه المباهج ذاتها سماً زعافاً لنا مثلها مثل السلوي لبني اسرائيل (سفر العدد ص 11) .
وعندما تفقد النفس عملياً معرفة حقيقة ان راحتها هي في راحة الله , في اللحظة التي تتحول العين عن الراحة التي بقيت , فإننا نبدأ في البحث عن الراحة هنا , وتبعاً لذلك نصبح قلقين ومتعبين وغير مكتفين , وفي كل مرة نجد فيها شيئاً ننشد فيه راحتنا , فإن هذا الشئ عينه يثبت انه مصدر جديد للتعب والصراع لنا – مصدر جديد للتدريب وتعب القلب , ان الله يحبنا أكثر كثيراً من ان يدعنا نستريح هنا .
فهل انت مقتنع يا اخي العزيز بألا تطلب الراحة في أي موضع اخر الا في راحة الله ؟ ما هو سر التعاسة والقلب الحقيقي لمؤمنين كثيرين ؟ انه التوق الشديد للراحة هنا , فالله يصبح عندئذ مضطراً أن يؤدب وان يدرب هذه النفس وربما يسمح بظرف يؤدي الي كشف الحالة الحقيقية لذلك القلب وذلك بلمس المحور الذي تدور حوله ارادتنا , فالظروف لا تربكنا ما لم تكشف شيئاً فينا مخالف لله , وإلا فإنها سوف لا تحدث الا حفيفاً كالريح , والله يتعامل مع ما فينا مما يعوق الشركة , ويمنعنا من ان ننشد الراحة فيه هو شخصياً وحده بلا شريك , وما تأديبه الا التدريب الدائم للمحبة التي لا تستريح الأن او لا تستريح هنا لكي تدخلنا الي راحته هو . فإذا ما حطم راحتنا هنا , وإذا ما حوَّل اللحمة لنا الي سماً مميتاً فما هذا الا لكي يوصلنا الي راحته هو لكي نحصل علي ما يشبع قلبه ورغائبه هو , لا رغائبنا نحن , فهو "يَسْكُتُ (يستريح) فِي مَحَبَّتِهِ" (صفنيا 3 : 17) .
"لأَنَّ الَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ اسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا اللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ" (عب 4 : 10) المسألة هنا ليست عن التبرير او عن راحة الضمير من جهة الدينونة , هذا كله قد تمت تسويته , "لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا" (رو 5 : 19) هناك نستريح نحن وهناك يستريح الله , وايضاً "لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ" (عب 10 : 14) فالمؤمن قد وصل قبلاً الي الراحة الكلية علي عمل المسيح من جهة هذا الامر , له سلام مؤسس علي دم المسيح .
النقطة هنا تخص الذين تبرروا , الذين جاء بهم الله ليضمهم الي عائلته , فالله يدرب هؤلاء ويوّصلهم الي التمتع الكامل ببركته وراحته . فإذا كنت وأنا اب استمتع بشئ ما , فلا يمكن (إذا كنت احب ابني حقاً) إلا احب ان يشاركني ابني هذا الاستمتاع , فإذا كان هذا هو الحال معنا ونحن اشرار , فكم بالحري يكون الامر اعظم بما لا يقاس مع أبينا السماوي !! , ان ما يريده الله لنا – كما رأينا – هو ان يوصلنا الي التمتع بكل ما يستمتع به هو , وهو يجد لذته في ذلك . وقد جعلنا شركاء الطبيعة الالهية حتي نستمتع بذلك , كان العبرانيون باستمرار معرضين للسقوط في طلب الراحة هنا , او باختصار كانوا معرضين الا يحيوا حياة الايمان , والنقطة العظمي التي يركز عليها الرسول هي ان الله ليس له راحة هنا , وانه طالما وجد ما من شأنه ان يعطّل راحة محبته لا يستطيع ان يستريح , وهذا ما يبرهنه الرسول بمجموعة من الشهادات انظر (الاعداد من 3-8) فيما يختص بحالتهم الخاصة , فرغم انه يقول لهم "لأَنَّنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ الرَّاحَةَ" (عب 4 : 3) إلا انه لم يكن محتاجاً ان يبرهن لهم علي ما هو اكثر من ان كونهم ليسوا في الراحة الان كان لأجلنا نحن , ونحن نقرأ عن تحملهم الكثير من الصراعات والضيقات "مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ، وَمِنْ جِهَةٍ صَائِرِينَ شُرَكَاءَ الَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هكَذَا" (عب 10 : 33) كانوا ما زالوا في ظروف احتاجوا فيها ان يقال لهم "لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ" (عب 10 : 36) ومن الواضح ان هذه التحريضات لا تتلاءم مع حالة الراحة "فلنخف" (ع1) , "فلنجتهد" (ع11) .
وقد يبدو غريباً ان يركّز الرسول لنا في احدي اللحظات علي الضمان الكامل في محبة الله وامانته , وفي اللحظة التالية يخاطبهم هكذا , "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ" (عب 4 :1) لكن الله لا يكف ابداً عن التحذير حتي يكون هناك ممارسة للمسئولية نحة شخصه بينما نحن في مسيرتنا نحو راحته , ولو كانت القضية موضوع الحديث هي التبرير لقال لهم "لا تخافوا" , "ولا تجتهدوا" لأن المسيح عمل كل شئ لأجلكم (او نيابة عنكم) "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ" (رو 4 : 4) .
ام الخوف والاجتهاد فيبدأن عندما تكون مسألة التبرير قد حُسمت , تم حسمها الي الابد , والقاعدة المباركة التي تظهر للعيان هي ان الخوف والاجتهاد هي نتائج كوننا نتعامل مع الله , فلأن لنا الثقة الكاملة في محبة الله , ولأننا نقدّر القيمة العظيمة التي لراحة الله , فنحن نخشي كل شئ , ليس فقط الغوايات والفخاخ التي في الطريق , بل كل تحرك للجسد أو ما شابه ذلك مما قد يدخل بيننا وبين الله , البركة مضمونة في النهاية , كما يقول "لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،" (1بط 1 : 4) لكن الضمير يقول هكذا "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك 39 : 9)  , اننا بالإيمان محروسون كما هو مكتوب "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ" (1بط 1 : 5) , فالإيمان يتيقن من وجود الله , ومن هنا يأتي الخوف المقدس , نسير زمان غربتنا بخوف "وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ،" (1بط 1 : 17) .
يكتب الرسول بولس الي الفيلبيين قائلاً "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في 3 : 13-14) ويضيف ايضاً "لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ" (في 3 : 11) هل معني هذا انه لم يَرَ يقينية النهاية , كلا بل لأنه رأي الطريق وايضاً النهاية وكل مشاكل الطريق , كان بولس يخاف بشدة من كل ما من شأنه ان يعوقه في الطريق او يؤدي به - ولو للحظة – الي طريق الانحدار (ادمان الجسد يفعل ذلك) ثم يضيف "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، وَلاَحِظُوا الَّذِينَ يَسِيرُونَ هكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ" (في 3 : 17-19) .
أين هذا الخوف المقدس ؟ فإذ قد اعطي الوعد براحة الله فإننا نعرف نهاية المسار , "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا" (عب 4 : 11)  النعمة ستمنع هذه النتيجة , لكنها النتيجة التي سيوصل اليها الجسد وكل انشطة مشيئة الانسان وكل معترف غير متجدد .
لا يوجد دليل او شاهد علي صحة توجه القلب مثل هذا الخوف المقدس , فالإنسان غير المتجدد لا يخشي الشيطان لكنه ما لم يكن قد تقسي تماماً يرتعب من الله ارتعاباً شديداً , اما المؤمن الحقيقي فلا يخاف من الله خوف الارتعاد لكنه يرتعب من ابليس , وعندما يتكلم الرب يسوع عن خرافه يقول "وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ" (يو 10 : 5) , أي ان عندهم التوجس من كل شئ بخلاف صوت راعيهم المعروف لديهم جيداً , وفوق الكل فإن هذه الخراف تخاف الذئب لأنها مدركة لضعفها , فإذا جاء واحد ليقول لهم " النهاية مضمونة فلا تهم الوسائل » فإن هذه الخراف ستعرف ان هذا لا يمكن أن يكون هو صوت الراعى الحقيقى . . إن كل شىء من شأنه أن يشوش رؤيتنا للمجد أو أن يمنع أن تكون عيوننا بسيطة نحو الله . مهما غلا او عظمت قيمته حسب الظاهر . ينبغى الاحتراس منه لأنه سيؤدى بنا حتما الى التردى سريعا فى طريق الانحدار . عندما تكون العين بسيطة , فإن الجسد كله يكون نيراً (لو 11 : 34) . ولذلك فإن أى شر سيكتشف – كل ما يعوق العواطف من ان تكون مثبته ببساطه وموحده نحو الله . .
فالخوف والاجتهاد إذن , ليس مرجعهما الشك فى محبة الله , بل يقينية الوجود فى البرية . فالمؤمن يعرف انها "أرض ناشفه ويابسة بلا ماء " ( مز 63 : 1 ) وهذا يأتى الى محضر الله , ونفسه تشبع بشحم ودسم إذ أنها مخلوقة لترتوى من نهر لذاته (هو) . . الفداء من أرض مصر يوّصل الى البرية .. وما لم يكن الله لنا هناك فلا شىء لنا .. فلا يوجد شىء فى هذا العالم الواسع أو منه يمكن أن ينعش الانسان الجديد , كما أنه لا يوجد فى السماء شىء يغذى ويشبع الانسان العتيق .
وعندما تحتجب عنا رؤية يد الله وعينه . فلا يتبقى لنا سوى حماقتنا ورمال الصحراء من حولنا .. ربما يقول واحد لمؤمن : الراحة لذيذة فى النهاية فيجيبه: نعم لكنه لا يكفينى أن أعرف أننى فى النهاية سأكون مع الله .. فلى راحه عند الله الان إذ أنا أعرف الله الان , وأنا استمتع بمحضر الله الان , ولا يمكن أن أشعر بالشبع والاكتفاء إلا إذا كان الله لى نصيباً حاضراً (الان) , وأنا اخاف كل الخوف من أى شىء يدخل بينى وبين الله .. فبينما تكون العين مثبته على الله والنفس مستريحة عليه ..  تصبح لنا قنوات من الشركه (السعيدة) معه .
كل شىء – يا أخوتى الاعزاء – يبرهن على أن راحتنا ليست هنا . فالخوف بسبب اننى فى البرية ولى قلب معرض للابتعاد عن الله – ليس راحة. والصراع الحتمى مع ابليس ليس راحة .. والاجتهاد ليس راحة ." إذاً بقيت راحة لشعب الله " (ع9)

وإذاً فيوجد ايضاً الاجتهاد , ونشاط الانسان الجديد فى نصيبه أو دوره الخاص .. إنه لأمر هام حقاً من أجل فرحنا أن نجتهد فى مجالنا الخاص .. والكنيسة تحتاج ان تعرف أن لها نصيبها الخاص بها . دائرتها الخاصه للعمل والاجتهاد .." فِي حَرْثِ الْفُقَرَاءِ طَعَامٌ كَثِيرٌ، وَيُوجَدُ هَالِكٌ مِنْ عَدَمِ الْحَقِّ" (أم23:13) .. فعندما نكون مساكين فى الروح , ونكون مجتهدين أن ندخل راحة الله سنجد يقينية فى الغنى الذى فى المسيح يسوع لا يصل اليه ادراك الكثير من المؤمنين . اليس لنا دائرة تجد فيها حياتنا نصيبها "لاهل العالم اهدافهم التى يسعون اليها , لهم ما يشغلهم ويحتوى تفكيرهم . وأليس لحياة الله التى فينا موارد لتقوينا , وأليس لناغنى فى المسيح لنتغذى عليه " . بلى.
" لَنَا «مَذْبَحٌ» لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ" (عب10:13) .. لنا دائرة فيها تمارس الحياة الالهية الممنوحة لنا خصائصها كما تجد مواردها .. للكنيسة أغراضها , وأهتمامتها وكنوزها . لها دائرتها الخاصة لحياتها . كما أن لها مجال عواطفها ومواضع اهتمامتها . بأختصار لها "عالمها" حيث يوجد الإثمار لله .. فهل لك ايها القارىء العزيز ادراكا أن لك هذا النصيب , وهل سرور نفسك هو أن تتقصى غنى المسيح.
"الصلاح الذى هو فى الله".. ان كل ما حصلت عليه من غنى المسيح هو فقط من أجل أن أصبح أكثر غنى, هو وسيلة أبلغ بها الغنى الذى لا يستغنى .
وهذا الاجتهاد المقدس فى تقصى الغنى الذى فى المسيح , يحفظنا فى حالة الاحساس الحى بما لنا فيه . وبذلك يجعل كل ما عداه بلا قيمة . وحفظ النفس مثبته على المسيح سيجعلنا قادرين على مقاومة الاغراء والخطية .. ونحن لا نحصل على القوة بإمعان التفكير فى الغرض . الذى يمكن أن يكون تجربة لنا . ليس بجعل عقولنا تطيل التفكير فيه. حتى ولو بقصد مقاومته .. (بل) إن امتيازنا هو أن نكون منشغلين بالمسيح . وبهذه الكيفية نحصل على الانتصار.. أن حريتنا هى ألا نكون فيما بعد ولا فى اى وقت آخر خاضعين (مستعبدين) للخطية . حريه أن نخدم الله بلا اى عائق من الجسد .. لست اريد حرية للجسد , بل الحرية للانسان الجديد , وهذا لكى أفعل مشيئة الاب .. ولو أن شيئاً استطاع ان يسلب الرب يسوع حريته عندما كان هنا على الارض }مع تسليمنا بأستحالة ذلك{ لكان معنى ذلك هو منعه من عمل مشيئة ابيه ..
ربما لا يكون صدى كلمات مثل "الخوف" أو"الاجتهاد" هو التعبير عن امتياز , لكنه بالحقيقة كذلك .. ولأننا كثيراً ما نفشل فى هذه الامور فهو امتياز مبارك أن نعلم أن الله يفحص القلب ويتعامل مع الضمير- أن "كل شىء عريان ومكشوف لعينى ذلك الذى معه امرنا " .. وإذا لم نحكم على انفسنا فأن الله سوف يحكم علينا. " وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ" (1كو32:11) .
وأليس من المريح للنفس , التى تحب القداسة بحق أن تعرف أن الله سيأتى ويكنس البيت لئلا تكون هناك ذرة أمر متروك من شأنه أن يؤذى عينيه أو يعطل سيرنا فى النور حيث يسكن هو .. فالقداسة تعطى المؤمن الجسارة أن يقول " اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا" (مز24,23:139) .. يالها من ثقة رائعة . والله يمتحننا فعلاً بواسطة نور كلمة الله وهو يرينا الشر بالكلمة . وهذا هو الاستخدام الذى يستخدم فيه الروح القدس كلمة الله " لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ" (ع12) .. حينئذ يؤتى بنا الى محضر الله . كما لو كان الله يتكلم الينا , وهو يفحص قلبى حتى فى احلى شهادات نعمته .. وإذا يجعلنى اكتشف الشر . فهل يحدثنى عنه بلغة القضاء . وكأنه خطية محسوبة على "كلا" بل يقول لى : هنا أمر لا يتفق مع محبتى , أمر لا يرضى محبتى .
ولو كنا قد تأهلنا للحكم على انفسنا بكلمة الله , قد يكون هناك شىء أخر أكثر لزوماً فى طريق التأديب لكن يظل أنه من دواعى راحتنا وتعزيتنا أن الله هو الذى معه أمرنا . لنفرض على سبيل المثال . اننا كنا نبحث عن الراحة هنا وأننا فى النهاية وجدنا مكانا فى البرية جعلناه محلاً لإقامتنا فإن الله لابد أن يبدأ العمل لاقتلاعنا . إلا إذا رأى أن من الضرورى أن يتركنا لانفسنا بعض الوقت . لكى تستيقظ ضمائرنا بواسطة (بسبب) السقوط .
وإذا كانت هناك ظروف وتجارب تحير قلوبنا . دعنا فقط نقول أن الله هو" الذى معه أمرنا " وما الذى يقصده من التعامل معى؟ .. فى اللحظة التى يصل فيها القلب الى التعرف على وجود الله , ينتهى كل شىء – سيخضع القلب (لسلطانه) .. ونجد النفس فى شركة معه (مع الله) بخصوص الظروف . ويصبح كل شىء فى سلام ليست راحة أن تُفحص وأن تُجرب فتبارك اسم الله . الراحة ليست نصيبنا هنا .. لن تدعنا قداسته نستريح حيث يوجد الحزن والالم . لذلك "بقيت راحة لشعب الله" هى راحته هو . هو نفسه سيكون فيها . ونحن نستريح فيه هو .
لو عرفنا (اختبرنا) قدراً أكبر من الراحة والفرح الناتج من الامتلاء الى كل ملء محبة الله. لشعرنا بأن الظروف الحالية لا تساوى شيئاً .   لا بل ما هو اكثر من ذلك اننا لو تعمقنا ولو قليلا في ادراك مقاصده من نحونا لقلنا : ليته يتعامل معنا ليته يؤدبنا , ليته يقتلعنا كما يشاء حتي يكون لنا شركة كاملة مع محبته .
أه .. ليتنا لا نقنع بالقليل من البركة .. بالمقاييس الدنيا , او المستويات القليلة من التمتع , بل ليتنا نتقدم للامام , وليت عيوننا تتطلع الي الامام في الاتجاه الصحيح . وليتنا نسعي بقوة روح الله الي تحقيق كل ما هو لنا في المسيح عملياً .

يوحنا داربي


الاثنين، 4 فبراير 2013

التدريب في مدرسة الله -هابيل-

التدريب في حياة شاهد البر "هابيل"

هابيل – كالأول في قائمة الإيمان – الذي ورث عقوبة الخطية عن طريق الميراث، ويمكن أن نتوقع أن يمدنا تاريخه بالخطوط العامة للتدريب الذي يتطلبه حياة بارزة في الإيمان.. وأنه لمن الخطأ [وفي بعض الأحيان لا تسبب أي اختبار ولو بسيط للنفس] أن أستنتج أنه مادام مقدار الحق أو النعمة قوى في داخلي فلابد أن تكون الطبيعة في داخلي أقل عجرفة ولكن العكس هو الصحيح، ومن المستحسن أن نعرف سبب ذلك.. فلو أن طبيعتنا كانت من رتبة أقل قبل السقوط لما وضعها السقوط في رتبة أقل مما هي عليه الآن.. ولكانت تطلعاتها وادعاءاتها للتهرب من نتائج السقوط أقل عنفاً وجرأة.. لم تكن لتتطلع إلى أكثر مما فقدت.. وحقيقة إننا قد خلقنا على صورة الله [وليس شيئاً أقل من ذلك] تعطي الأساس للافتراض الآن بأننا كنا قد سقطنا منها.. إن الرجل العظيم إذا انتقص reduced  فهو بالطبيعة يعود إلى ما كان عليه قبلاً.. أما إذا كان غبياً فهو يدعي ذلك دون أن تكون لديه القدرة على الاحتفاظ بها.. وهذا هو بالضبط ما تفعله طبيعتنا.. فكلما زاد إحساسها – أو بالأحرى كلما اضطرت إلى الإحساس – بأنها سقطت من مكانة كانت يوماً عالية كلما زاد تكالبها على الظهور وادعاؤها بالأهمية كلما أمكن ذلك.. وكلما قلت الرغبة أو الطلب على ادعائها كلما قل جهدها في تحقيقه، وهنا فإن النفوس التي تحاول جاهدة أن تنكر مركز [أو وجود Position] الطبيعة يجدون مقاومة منها في كل خطوة ويتعلمون عملياً أن الذين يتألمون في الجسد وحدهم هم الذين يكفون عن الخطــية [ 1بط 4 : 1 ] وأن الموت، وحده،  أدبيا في صليب المسيح، هو الذي يحررني من قوة وعبودية الطبيعة، وعملية الموت في التدريب جسدياً تعطي تأثيرها إلى حقيقتها الأدبية بواسطة نعمة الله.. بمعنى أننا أموات في through المسيح، وبهذه الصفة نحن محررون من الناموس وأمام الله نحن فيه [في المسيح].. وتبعاً لذلك فإن الآب -وبواسطة التأديب – يقودنا إلى الامتياز العملي لمركزنا في المسيح حتى نكون ليس فقط أموات فيه بل أموات في أنفسنا، وهذا هو التأثير العملي لمعرفتنا بأننا قد متنا في المسيح والذي وسيلته هي التدريب.. فالنفس التي تعلم تماماً قبولها أمام الله يجب أن تتعلم ألا تعتمد على الطبيعة التي أنقذت من تأثيراتها وأن وجود هذه النفس هو خارجها (2 كو 4: 10) .. لقد استطاع الرسول أن يقول أنه كان يُمات كل يوم وأنه كان يحمل في جسده إماتة الرب يسوع لكي تظهر أيضا حياة الرب يسوع في جسدنا.. وإذا كان القبول حقيقياً – أي أنه خلاص بالحق من حالتنا الطبيعية – أفلا يجب علينا أن نظهر أدبياً وعلمياً تأثيره ؟ هذا ما يجب أن يكون لأن القبول في البر هو شيء أسمى وابعد من حالتنا الطبيعية، وكلما زاد تمتعنا به واحتفاظنا به كلما توارت الأخيرة عن الأنظار.. [ويكون هذا فقط اعترافاً منا باستحقاقات إحسان الله علينا] أتريد أن تحتفظ بحالتك الطبيعية وفي نفس الوقت تبتهج بخلاصك منها ؟.. وإذا ابتهجت بالخلاص أفلا تظهر [هذا الخلاص ] بنبذك لكل ما قد خلصت منه؟ وإذا كان "هابيل" هو الشاهد الأول للقبول في البر – فإننا سوف نرى أنه أيضا الشاهد الأول الذي أسلم حياته الطبيعية – [ شاهداً في الأولى كما هو في الأخرى] – عند القبول إلى فرح وراحة قلبه – بواسطة الموت [ كم كان حقيقياً ومجيداً !! ] – حتى أنه "وإن مات يتكلم بعد".. هذه هي أول درجة في الترتيب الصحيح للتدريب.. "احسبوا ذواتكم أمواتاً عن الخطية". [رو 6 :11] "أميتوا أعضاءكم التي هي على الأرض" [ كو 3 :5].. ومركز الموت هذا هو بسبب حياتنا في المسيح [لأننا إن كنا أحياء فيه فيجب أن نكون أمواتاً في أنفسنا – والتدريب في أبسط دروسه الأولى يعلمنا هذا.. لا يوجد قديس إلا ويتعلم أن الموت يتم إما بالنزول  droppingالمتواصل لتجارب صغيرة مستمرة أو بواسطة مرض خطير أو بحلول كارثة شاملة دهماء.. يجب أن نتعلم كيف يحقق الموت في نفوسنا الخلاص منه.. وهو أمر لازم أيضا.. وتاريخ هابيل ليس فيه إلا تفاصيل طفيفة جداً، لكنه يتضمن النقطتين العظيمتين في حياة المؤمن – في شدة وقوة لا يمكن تجاوزها – وأعني بهما: القبول عند الله ؛و الموت لكل رابطة وعاطفة طبيعية..( الأول هو عمل الإيمان السهل، والثاني لا يعلن إرادياً لكنه نتيجة لتغير الطبيعة في وسط عالم شرير بواسطة العنف violence  الذي يعطي الموت راحة منه).. والله يسمح باضطهادات قايين لكي يقدم الفرصة لإعلان نعمته ومانحها، والتألم من أجل البر.. بينما يكون التدريب لأنفسنا فهذا هو أعلى مركز للخدمة في الإنجيل. لنسلم – إذاً – بأنني إذا عرفت معنى القبول جيداً فإن الموت هو نصيبي هنا، وأن التدريب لن يفعل ذلك لأنه يؤكد لي كما أنه يشهد للآخرين بأن القبول صحيحاً.. وهكذا فإننا سوف نجتني فائدة كبرى من تاريخ هابيل.. فهابيل لم يبدأ حياته حسب القاعدة أو التوجيه الذي أعطى لآدم [أي أن يعمل الأرض التي أخذ منها]، ولكن هابيل كان على النقيض – راعياً للغنم.. وهذا يظهر منذ البداية أنه لم تكن لدى هابيل أي نية لتحسين المشهد من حوله أو للحصول لنفسه وبمجهوده الخاص على أي شيء من الأرض من شأنه أن يقف حائلاً بينه وبين الله.. لقد كان الإحساس بالموت مائلاً أمامه والخلاص من هذا الشعور كان هو الشيء الوحيد الذي يرضيه.. كان راعياً للغنم.. لم يكن يرعى غنمه بفتور أو بعدم اكتراث، ولكنه كان يقودها من مرعى إلى مرعى حسب احتياجاتها.. ولم يكن يتوقع شيئاً ينبع من الأرض ليخفف عنه.. ومن أجل ذلك.. فلم يكن له فيها مكاناً مختاراً.. كان عاملاً وسائحاًَ ومعانياً من اللعنة التي أحسها حوله وفي نفسه وتحت حكم الموت في مشهد كهذا – ورعايته لقطيع "حي" أتى به ليكون في ارتباط مع الحياة وهذا هو [الشيء الوحيد بالذات الذي كانت تحتاج إليه نفسه ]..
وهو لذلك* أخذ من أبكار غنمه التي تعبر عن "البداية" وعن "القوة" .. وقدمها إلى الله.. كانت هذه ملكاً لله وترمز إلى حياة ربنا يسوع.. لقد قدم هذه لله وكانت تناسب شعوره الخاص بالموت ،ولكنه كان عليه أن يواجه المزيد قبل أن يقابل محضر الله.. كان هناك الاحتياج إلى القبول أيضا. وهذا الاحتياج قوبل، تم تسديده بتقديم "الشحم" الذي هو أفضل ما في الحيوان والذي لا يمكن الحصول عليه إلا بالموت – أي أن النتيجة في القيامة بعد موت المسيح هي التي ترضي الضمير فيما يختص بقبوله التام أمام الله.. وهكذا دخل هابيل إلى فكر الله فيما يختص بحالته الخاصة أمامه وبذلك حصل على شهادة بأنه بار ليس فقط فيما يختص بما عمله، ولكن أيضا فيما يختص بحقيقة موقفه.. وفي غمرة سعادته بكونه مقبولاً أمام الله كان عليه أن يتعلم ما هو موقف وآلام شخص له مثل هذه البركة هنا.. وإذا كان مقبولاً من الله فقد كان لابد أن يُفصَل عن مشهد واقع تحت دينونة الله.. وإذا كان قد تخلص [أو تحرر] من حكم الموت فلم يعد الموت عقوبة بالنسبة له، ولكنه كان عليه أن يتوقعه في وسط مشهد كان كل شيء فيه متناقضاً مع الحياة التي إليها قد قبل.. وبناءًا على ذلك فقد كان عليه أن يقدم برهاناً قاطعاً [أو جلياً]، أن القبول أمام الله، والخلاص من الدينونة، هي بركات حقيقية إلى درجة أن الموت الفعلي لا يستطيع أن يحرمه منها.. هذه هي شهادته.. وهذا هو تدريبه، وكما كان مع اسطفانوس شهيد المسيحية الأول، كان مع هابيل شهيد القبول الأول.. لقد أعطى اسطفانوس بموته دليلاً أفضل من حياته، عن فضل قيامة المسيح، وتقدمت نفسه إلى حقائق القيامة في لحظة موته، أكثر مما استطاعت خلال حياته.. وكانت شهادته الأخيرة هي الألمع، وبينما كان أعوان شر العالم يرجمون اسطفانوس، كان هو بمفردة يجيب على ضرباتهم القاتلة باستيداع روحه إلى نفس الشخص الذي أنكروه وتنكروا له.. ولكي يُثبت عندئذٍ كم كانت ثقته كاملة في عناية المسيح به، نراه يركع حتى ينفق كل ما تبقى له من قوة في صالحهم.
لم يكن لشاهد القبول أو القيامة نصيباً في هذا العالم الشرير، كل شيء لابد أن يكون موتاً بالنسبة له، وعن طريق التدريب كان عليه أن يتعلم ذلك ليتحقق بنفسه، عظمة عطية الله التي هي حياة أبدية، التي هي خارج نطاق هذا العالم وأعلى من مستواه.. حاول أن تسير في أي طريق تحب، ولكنك حتماً سوف تعرف هذا: إن الآب أيضا سوف يمتلكه.. لابد أن تكون حياة الله الجديدة مطابقة مع سجاياها [أو فطرتها instincts ].. عندما أوقدت نار من حطب كان منظر الأفعى مذكراً بولس بأن هذا مشهداً للموت.. لم يكن طريقه إلا الانتقال من قبر إلى آخر.. بالأمس انكسرت به السفينة وهو اليوم يُبتلى بالأفعى !!.. نحن نحتاج إلى هذا التدريب.. نحن نظن أننا نستطيع أن نسير مثل بقية الناس، متمتعين بالنصيب الجديد المبارك الذي أخذناه.. ولكن العكس هو الصحيح.. ومن الأفضل أن نفهم ذلك: أن الآب يريدنا أن نقدِّر نصيبنا في ابنه بالمقابلة مع كل شيء هنا.. سوف نحاول عبثاً أن نجمع بين النقيضين.. ونحن ننفق أغلب وقتنا في أن نتعلم أنه لا يوجد شيء هنا يشبع متطلبات الأحاسيس الجديدة.. هناك سياحة في البرية في طريق موحش، ولكن لا توجد مدينة لنسكن فيها.. لكن الله يسمح بهذا حتى يكتشف أولاده أن رغباتهم لا يمكن أن يشبعها إلا هو.. يجب أن نتعلم أننا لسنا من هذا العالم.. لا نستطيع أن نثق فيه، المسيح لم يأتمن أحداً على نفسه، لو أن لك وجه ملاك فأنهم سوف يرجمونك.. ورغم أن قايين قد "كلم" أخاه عندما كانا "في الحقل" [حسب الظاهر في شركة سعيدة]، إلا أن هابيل قد عرف سريعاً أنه لم يكن ليثق فيه، لأنه في نفس هذه اللحظة "الاجتماعية" فإن قايين قام على أخيه وقتله.
إن اعترافنا يعلن أنه ليس لنا شيء في الأرض.. وأن التدريب الإلهي سوف يقودنا عملياً إلى ذلك – نفس ما تفعله الشهادة الأمنية.. وفي تدريبنا يجب أن نقدم شهادة.. بل إنه من الأفضل [كما في حالة اسطفانوس] أن نتألم في وسط شهادتنا.. فلابد أن الله يحقق – بأي طريقة – بركته لنفوسنا، ثم ينتهي تاريخنا..
ملخص
عندما وُلِد هابيل كان كل شيء من حوله تحت حكم الموت وكان الإحساس بالموت مسيطراً عليه.. ولكنه بالإيمان قدم لله ذبيحة مقبولة [دموية – أي عن طريق الموت] وشهد الله لقرابينه أي شهد الله لقبوله أمامه.. وهنا أصبح هابيل "كياناً" متناقضاً مع كل ما حوله.. شخص حي وسط عالم يخيم عليه الموت.. شخص شاهد للبر وسط عالم تسوده الخطية.. ولم يكن موته [او استشهاده] على يد أخيه قايين إلا الوسيلة الوحيدة للانتقال من مشهد لم يعد ينتمي إليه، إلى العالم الذي أصبح مرتبطاً به بالإيمان.. مثله في ذلك مثل اسطفانوس شهيد المسيحية الأول – الذي عندما كانوا يرجمونه كان وجهه يلمع مثل ملاك، وكان ينظر "السموات مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين الله"
ومن حياة هابيل نتعلم أن:
1.    أن الموت [متحققاً عملياً في ذواتنا] هو الوسيلة الوحيدة لتمتعنا بامتيازاتنا وبركاتنا الجديدة.
2.    أننا نحاول عبئاً أن نتمتع ببركاتنا الجديدة مع احتفاظنا بالتمتع بملذاتنا العتيقة.
3.    أن حياتنا يجب أن تكون اختباراً عملياً لهذا التعبير " لأننا من أجلك نموت كل النهار"  (رؤ 8: 36).



*   هل هناك احتمال لسوء فهم هذه العبارة ؟ لم يكنتقديم هابيل له ذبيحة افضل من قايين نابعا من حكم الظروف و لا من احساسه الشخصي بل " بالايمان".. و لأن كلمة" لذلك " قد تفهم بمعنى بعيد كل البعد عما قصده المؤلف اضفت هذه الملحوظة لأمنع مثل هذا الفكر ( المؤلف)

السبت، 2 فبراير 2013

مدرسة الله - شخصيات الكتاب المقدس - للكاتب يوحنا بللت - ترجمة د بطرس ابو اليمين

سوف ننشر شخصيات الكتاب المقدس تباعاً
لفائدة شعب الله في كل مكان
ياليتها تكون سبب بركة للجميع فتابعونا


التدريب في مدرسة الله  "آدم"

لا يوجد موضوع أكثر فائدة للمؤمن من فهم طبيعة ونتيجة التدريب الذي يرتبه الله لشعبه في فيض محبته وحكمته .. وعلى قدر أهمية الموضوع ولزومه لتدريبات النفس السرية، على قدر ضحالة فهمنا له .. ومن ثم فإن معاملات الله قد تبدو غريبة في بعض الأحيان، أو مفتَقَدة في أحيان أخرى في أي تقدير "منصف" نافع ..
لهذا، أنوي – بمعونة الرب أن أقدم – في بضع صفحات، عرضاً للتدريب الخاص اللازم لكل واحد من شهود الله المتميزين على الأرض – أقدمه مفصلاً من حيث الغرض منه ونتيجته المتحققة ..
وقد شغلت أن أقوم بذلك من أجل أن أقود أفكار المؤمنين إلى دراسة أوفر لموضوع هو من بين المواضيع الأخرى يرتبط بشكل أخص بأفكار الله الحبيبة السرية من نحونا، وتبعاً لذلك فإنني أبدأ بآدم .. رغم أنه لا يأتي بالتحديد على رأس قائمة حياة الإيمان، إلا أنه كان موضوعاً لتدريب عنيف، وفيه تصوير رائع لنتائجه .. 
وآدم في وقت ما، لم يكن محتاجاً للتدريب، إذ أنه كان في حالة لم يعرفها أحد (من الناس) فيما بعد – حالة البراءة، وعندما سقط بدأ التدريب، كان على صورة الله – الأقرب إلى الله من أي مخلوق آخر – ولكنه هو نفسه – الآن أصبح مشرباً بروح وطبيعة هما من العداوة لله حتى أنه إذا أراد أن يعيش لله كان عليه أن يتعلم أن ينبذ إرادته الذاتية تحت تدريبات يد الله القوية، وبالنسبة لآدم، لابد أن هذا كان يمثل تناقضاً غريباً مع الحالة التي كان عليها قبلاً من توافق سهل بين فكره وبين مشيئة الله .. وتبعاً لذلك فلابد أنه شعر بذلك أكثر .. ومع إخضاع عصيان قلبه، لابد انه عقد مقارنة بين حكم الله وبين حالة البراءة عديمة القوة، فعندما كان في حالة البراءة سقط .. وعندما سقط، فإن إرادة الله رفعته لا عن جهل أو لامبالاة بل مع كامل الاقتناع .. كانت البراءة حالة ضعيفة .. أما قوة الله في إخضاع طبيعته التي لم تعد في حالة البراءة فكانت شيئاً عظيماً ووضعاً قوياً .. وهو لم يتُقْ للعودة إلى حالة البراءة مرة أخرى على الإطلاق لأنه عرف كم هي ضعيفة .. كما أنه قد عرف الآن أن في إمكانه أن يحقق بقوة الله في حالة ساقطة أكثر مما كان عليه أن يحققه في حالة البراءة الغير مسنودة إلهيا .. عندما كان في حالة البراءة لم يكن يعرف قيمة الحياة، ولكن عندما سقط فإيمانه بإعلان الله مكَّنه أن يطلق اسم "أم كل حي" على المخلوق الوحيد الذي سماه حتى الآن .. أي أنه تحت حكم الموت تكلم عن الحياة، بينما عندما كان في حالة البراءة فإن عقوبته إذا عصى كانت هي فقدان الحياة .. لم يكن هناك ما يغريه بحالة البراءة الآن صحيح أنها كانت فترة بركة عجيبة، لكنها حالة لم يستطع أن يثبت فيها، ولكنه تحت التدريب الإلهي ارتفع إلى مستوى أعلى أدبياً، رغم أنه من حيث الحالة نزل إلى ما هو أدنى : آدم لم يُغوَ لكنه اُستميل .. وقد اكتشف مبكراً أحاسيس الطبيعة ونوازعها التي قادته في النهاية للسقوط .. لا العالم ولا مجده ولا أي رتبة من الخلائق الأدنى – لا شيء من كل هذا، كان كافياً، لإشباع الرغبات الملحة لقلب آدم ذي النزعة الاجتماعية .. لم يجد معيناً نظيره .. ولكن لم يكن جيداً أن يبقى وحده .. كانت غرائز طبيعته غير مُلبّاة .. ولكن عندما أغويت الشخصية التي أشبعت هذه الغرائز، فإنه استجاب لتأثيرها عليه، كما اعترف هو شخصياً بذلك "هي أعطتني من الشجرة فأكلت" .. لقد كشف الإنسان الأول سر قلبه، أنه كان معتمداً على آخر .. حتى أن الشيطان عندما لم يُرد أن يغامر بأن يغويه، فإن موضوع حبه (حواء )، استطاعت بكل نجاح أن تستميله .. والآن اكتشفا حقيقة نفسيهما أنهما بعيدان عن الله، فاختبآ من محضره .. والآن يُقَّدم لهما الدرس الأول من دروس نعمة الله ..
في التدريب (أو التأديب) يوجد تبكيت على الخطية، كما يوجد أيضا تصحيح أو تقويم .. فالتأديب عندما يكون هناك تألم من أجل الخطية، يجعلني شريكاً لله في قداسته (عب 12: 10) .. ليس الغرض هو تحسين طبيعتي، بل هو إقناعي بانعدام الرجاء فيها حتى أكون مكرساً لله – وهذا هو المعنى الصحيح والواضح للقداسة "التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب 12: 14) .. يوجد ألم بالغ في أن أتبكت على الخطية .. وما لم يكن هناك إحساس كبير بنعمة الله عندما نتبكَّت، فسيكون هناك اكتئاب شديد وميل لأن نطرح الكل في يأس .. ومن ثم جاء التحريض : "لا تخر إذا وبخك" (عب 12: 5) .. فالله لا يبكت بعجلة ( باستعجال) بل يريد أننا – بعمل كلمة الله على ضمائرنا- ندين أنفسنا أولا .. لا جدوى من أن تخبر إنساناً زائلاًvain  بأخطائه .. فهذا في العادة سوف يحفزه إلى إخفائها أو التقليل من شأنها .. وأنه لأمر بالغ الصعوبة أن تقنع - شخصاً مريضاً لكنه غير مقتنع بمرضه – صعب أن تقنعه باتباع النظام اللازم للعلاج .. وكلما شددت المجادلة مع مثل هذا الشخص، كلما أمعن في عناده ومحاولته أن يثبت لك أنك أنت على خطأ وأنك تبالغ في وصف المرض بدلاً من أن تخففه .. لكن الخاطئ المبكت حقا، يشبه المريض المدرك لخطورة مرضه ويكون على استعداد أن يتقبل أي علاج أو تصحيح يُقدم له ..
وعندما أكمل آدم كل مخططات قلبه الفاسد المبتعد ( عن الله ) عندما كانت مآزر أوراق التين ملبوسة، وهو مختبئ وراء الأشجار، جاء صوت الله يبحث عنه، رغم أنه كان يتهرب منه .. وهذا دائماً هو الميل الطبيعي عندما يصل إلينا أولا نور الكلمة، فنحن نعد العدة لتفاديه .. مثل الفريسيين الذين تركوا محضر الرب (يو 8: 9) .. ولهذا السبب فنحن دائماً.. نحتاج أن نقطع الطريق كاملاً إلى أن نصل إلى نهاية خططنا حتى نكتشف كم هي غير ذات جدوى .. لم نبدد ساعة، بل أيام طوال من القلق، بددناها في تنفيذ مخططات لو أننا فحصناها في نور كلمة الله الفاحصة لنبذناها كلية .. ما هي طبيعة هذه المخططات ؟؟ .. هل هي لإبعادك أو لإخفائك عن الله، أم هي لتقريبك إليه لتكشف أمامه أدق أسرار قلبك ؟؟
هذا السؤال يفحص هذه المخططات .. لقد أراد آدم أن يحجب نفسه عن عين الله وقد سمح له الله أن يكمل جميع برامجه ومخططاته .. وكل واحد منا يعرف هذا جيداً .. لقد اختبر الابن الضال الكورة البعيدة، لكنه عاد إلى بيت أبيه إنساناً متضعاً .. لقد تم اختبار رغبات القلب و مقاصده، ووجدت أنها قشور .. وعندها تصغي النفس إلى أنغام النعمة الرائعة من ذلك الصوت (الكريم) الذي أردنا أن نتهرب منه في البداية .. إنه لأمر مرعب أن تضطر للإجابة عن السؤال: "أين أنت" .. عندما تكتشف عدم كفاية كل حيلك أن تستر ضميرك عن عمل (تأثير) كلمة الله .. هل كان على الابن الضال أن يجاوب على هذا السؤال عندما كان يرعى الخنازير ؟؟ .. وهل كان على بطرس أن يجيب عليه عندما كان جالساً مع أعداء سيده يستمتع بالدفء على نارهم ؟؟ .. وهل كان على آدم أن يجيب عليه عندما تذكر الوضع الذي أصبح فيه مقارنة بالوضع الذي فقده؟؟ .. إن الإجابة على سؤال "أين أنت" هي التي تكشف حالة الضمير .. و صوت الله يفحصه، وما لم يكن قد تعلم أن عليه أن يتعامل مع الله، فإن نهاية (القصة) لابد أن تكون : "سمعت صوتك فخشيت لأنني عريان فاختبأت" .. الاختباء، هو أول محاولة للضمير المتعب .. فأنت لا تريد أن ترى نفسك .. كما لا تريد أن يراك أحد في حالتك هذه .. وعند سماع صوت الله أنت تختبئ، مع أن الاختباء يفضح (حالة) البعد والمراوغة .. ولابد أن يكون هناك نشاط ما في الضمير عندما يكون هناك لجوء للاختباء، وبخاصة عندما لا تكون هناك عقوبة متوقعة، إلا انكشاف حقيقة ذنبك للآخرين .. إننا في الحقيقة نلجأ إلى الاختفاء لكي نظهر بصورة أفضل مما نحن عليه – ولو كنا على استعداد أن يرانا كل واحد على حسب حقيقتنا بالفعل، لما كان هناك حاجة للاختباء .. فلا يمكن أن يكون هناك لجوء للاختفاء، ألا بغرض تعظيم الذات .. كما لا يمكن أن يكون هناك تمسك بالكذب، إلا لاكتساب ثقة نحن لا نستحقها .. وعندما يتعامل معنا الله، نتعلم أن "كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا"                (عب 4: 13) .. والكلمة تعمل عملها في ضمائرنا خارقة إلى مفرق النفس، والروح، والمفاصل، والمخاخ، ومميزه أفكار القلب، ونياته (عب 4: 12) .. لكن الكلمة توصل إلى الله لأنه هو الذي معه أمرنا .. لقد اخترق صوت الرب نفس آدم، ورغم كونه متزراً بمآزر أوراق التين (التي لم تكن إلا لإرضاء مقاييسه هو الأدبية) ولكن عندما جاءت كلمة الله فحصته، فكان خائفاً لأنه كان عرياناً – عرياناً أمام الله، فأخفى نفسه .
إنه لمن المهم أن ندرس وأن نفهم هذه العملية للضمير، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى كثير من التعب والمشقة في النفس .. فإذا وجد شخص قد أرضى ضميره باتباع نظام يخفي عن نفسه وعن الآخرين الحالة الحقيقية للنفس، فإنه يطفو لفترة ما على مياه هادئة، لكن بمجرد سماع صوت الرب فإن كل العوامل تتضافر لإحداث إعصار مروع .. فينقطع نومه ويصبح مبكتاً مثل بطرس (في لو 5: 8) .. يصبح خائفاً .. وحقيقة كونه عرياناً ومكشوفاً أمام الله تومض بشكل مخيف في وجهه، ومما يضاعف الحالة أنه كان قد خدع نفسه، وساعده على ذلك سمعته الحسنة عند الآخرين .. إن مفعول كلمة الله يمكن أن يؤدي إلى الإحباط واكتئاب النفس، ما لم يكن لنا رئيس كهنة عظيم اجتاز السموات يسوع ابن الله (عب 4 : 14) .. ولأنه جُرب في كل شيء مثلنا بلا خطية، فإنه يساعدنا برثائه لنا، بمجرد أن نصبح – بتأثير كلمة الله – منفصلين عن الخطية، كما أن كفارته بفاعلية كاملة أمام الله – تريح الضمير المبكت أمام عرش النعمة - هناك حيث نجد النعمة والعون اللذين نحتاج إليهما .. وهذا- بالضبط- هو ما احتاج أن يتعلمه آدم، وتبعاً لذلك فإن صوت الله تابَعَهُ إلى مخبأه .. فمن العبث أن نهرب من عين الله عندما يقرر أن يجدنا .. فإذا أخذنا جناحي الصبح وسكنا في أقاصي البحر                        (مز 139: 9) فإنه حتى هناك لابد أن يجدنا !! .. كم حاول الضمير الذي يبغي الهروب من الله أن يستر نفسه بأوراق نباتات هذا العالم .. وكم شغل فكره وشد انتباهه قيادة الإنسان ومساعيه الطموحة، لكن سدى، فلابد أن يصرخ المراقبون عاليا: "اقطعوا الشجرة وأقضبوا أغصانها وانثروا أوراقها" ( دا 4: 14) .. فملجأ الأكاذيب لابد أن ينكشف ويتعرى، ولابد للنفس أن تتعامل مع الله .. ويتحتم عليها أن تجيب على السؤال: "أين أنت ؟؟" .. وكل الإجابة المطلوبة هي الاعتراف بالحقائق الواضحة المجردة .. "خشيت لأني عريان فاختبأت" .. وفي اللحظة التي يكون فيها المؤمن في كامل الاعتراف، يكون في منطقة أو دائرة الغفران ورد النفس .. وعندئذٍ يعاتبه أو يؤنبه الروح القدس كما يفعل الصديق بصاحبه .. لقد جرب آدم كل وسائله الخاصة فوجدها باطلة وبلا أي فائدة .. والآن هو سيستمع إلى النعمة التي ستدله على العلاج الكامل الأكيد ..
لكن لاحظ أنه كان عليه أولاً أن يكشف حقيقة حالته .. أن يعترف بخوفه وبعريه ومحاولته إخفاء نفسه .. لقد استطاع التدريب الإلهي أن يحقق ذلك فيه .. والآن فإن الله هو الذي يعلمه .. أصبح آدم الآن متضعاًmeek  .. وسيعلمه الله طريقه .. لقد تعلم آدم أن حالة البراءة لم تكن واقياً له من الميل الخاطئ، وأن الخلو من الدوافع الشريرة ليس ضماناً للتصرف الأدبي السليم آدم كان هو الوحيد الذي عرف ما هي حالة البراءة .. ومع ذلك فلم تكن عاصماً له، فقد جُرَّب وأذعن للمجرب (ولكنه) وهو مدرك أن حالة البراءة قد مضت، وأن السيادة الآن هي للدوافع الشريرة، مع ذلك مازال يثق في ذاته أن يصحح مساره وأن يخفي عاره .. كان المسلك الذي اختاره كافياً لإرضاء مفهومه الأدبي .. وما هو أكثر خداعاً وضلالاً، هو أن تكون لدى الشخص فكرة حسنة يريد أن يدافع عنها، أو أن يكون اقتناعه هو دفاعه عن فكرته، هذا شرك ..قلما يفلت منه حتى الأتقياء .. وبعبارة أخرى أن سمعة الشخص عند أصحابه تلح على ضميره كما لو كانت هي حكم النقض الأخير والنهائي عند قيام أي تساؤل أو ارتياب .. وهناك تعاملات تبادلية في مثل هذا النوع من المعاملات .. فالذي تسمح لي به سأسمح به لك في المقابل، فإذا كانت مآزر أوراق التين هي مقياس المفهوم الأدبي عندك، وإذا كنت تقبلها كشيء كافٍ بالنسبة لي، فإنني سأفعل نفس الشيء بالنسبة لك .. هذا هو جوهر وطبيعة كل ما يسمى بالشهرة الدينية .. لكن صوت الله قد سُمع واضطرب آدم في حالته الزائفة الساقطة .. هذا الصوت (الإلهي ) يمتحن ويسبر الحالة بأكملها .. في النهاية وجد آدم نفسه عرياناً ومكشوفاً أمام ذلك الذي معه أمرنا .. واعترف بكل شيء .. وهو الآن في أعلى درجات الإعداد للتعليم بروح منكسر ومنسحق .. وأمام التحدي الإلهي، اعترف، مع محاولة التماس العذر والتلطيف .. اعترف بأنه أُغوِى وأكل .. ومحاولته لتبرير نفسه، وضعته في مستوى أدنى أدبياً .. أدنى حتى من التهمة التي أراد أن يبرر نفسه منها، ومع ذلك فقد كان هناك اعتراف .. وقد قبل بهذه الصفة .. وابتدأ إلهنا عمل نعمته المبارك في الكشف عن مشوراته ..
وكل واحد من "الممثلين" نال ما يستحقه من القضاء حسب الدور الذي لعبه في "الرواية" .. ونطق الحكم على الشيطان أولاً .. وبينما أن مصيره محدد، فإن الخلاص من قبضته، وعلاج الإنجيل الأبدي،  ويعلنان في مسامع آدم المبكت المُنصَف ص3 .. وهذا  هو الأسلوب الإلهي في رد النفس .. أن يثبت الإنسان أولاً في سلطان الله ونعمته .. وقد تعلم بطرس هذا الدرس (في لو5) من شحنة السمك التي اصطادها، ومن كلمات الرب يسوع .. وهذا هو الأساس المتين لأي عملية رد نفس صحيحة .. عندما يتثبت القلب .. كما حدث مع قلب داود عندما قال له ناثان : "الرب أيضا نقل عنك خطيتك " (2 صم 12: 13) .. عندئذٍ أصبح قلبه قادراً أن يتحمل سماع التأديب الذي كان لازماً لتصحيح ما فيه، تصحيح الذي عملته الخطية فيه .. إنه لمن المهم أن نعرف العملية التي بها يكشف الرب للنفس عن التأديب الذي سيوقعه .. فلابد من شجب كل ما أدى إلى سقوطنا .. ليس في تعبيرات عامة إجمالية .. بل بما يتناسب مع الذنب وبنفس درجته order، وفي نفس الوقت يتم الإعلان (الكشف) عن نوع mode، أو طبيعة الخلاص الصحيح .. ليس فقط أن الحكم على الشيطان قد نطق به، بل إن نتيجة خداعه للإنسان، كانت هي الجزاء الذي لا رجعة فيه .. والإنسان سيُنتَقَم له من عدوه .. فليس فقط أن الحية حكم عليها بقضاء ظاهر عليها، أن تسعى على بطنها وأن تأكل التراب، وأن تظل في عداوة أبدية مع نسل المرأة، لكن ظلمها سينصب على رأسها إذ أن رأسها سيُسحق ..
  وجاءت المرأة في الترتيب الثاني للمحاكمة .. كانت هي السبب الأقرب لسقوط آدم، لكن كما أخذ المجرم الرئيسي عقوبته كان عليها أن تسمع الحكم عليها .. وقد عوقبت بأوقات من التعب الشديد عند قيامها بإضافة فرد جديد للأسرة الإنسانية التي كانت هي الوسيلة لإخضاعها لسلطان الموت، وبالخضوع غير المشروط لرجلها، إذ أن افتقارها للخضوع أتى ثماره في سقوطها، كما أدى إلى سقوط آدم أيضا .. لم يكن كافياً أن يتلقى كل متعدٍّ جزاءًا يتناسب مع تعديه، بل إن العلاقة التي بها أثَّر هذا التعدي على آدم قد تم إصلاحها أو معالجتها أيضا .. ولا ينبغي أن سكتفي خادم الله بمجرد الإفلات من العقوبة .. لا بل أن عليه ألا يخطئ هو شخصياً، والله البار لابد أن ينتقم له .. لكن هذا لن يكون إلا بالبر .. لا يمكن أن يتجاهل هشاشة خادمه، رغم أنه سينقذه عندما سيتم توقيع الحكم غير المخفف .. عدما يدخل الله إلى المحاكمة لابد أن يتم توقيع العدالة المطلقة .. والأعمال درجات في مستوى مذنوبيتها في نظر الله ؛ إذ أن العمل الذي يبعد الشاهد المؤمن عن الله، أكثر مذنوبية أمام الله من السقوط الذي يظهره المؤمن بابتعاده عن الله .. والشخص الذي يضلل واحداً آخراً يأخذ عقوبة أشد من الشخص الذي تم تضليله، مع أن الأخير لا يُعفى من العقوبة، لأن هذا يظهر ضعفاً في أدبياته .. وتوقيع العقوبات لا يكون دائماً بقصد التصحيح .. فلم يكن هناك أي رجاء في إصلاح الشيطان، لكن وُقِّعَت عليه عقوبات قاسية لأنه سبب ضرراً لآدم .. الإنسان هو ممثل الله على الأرض .. وإلحاق الضرر به، يعتبر خيانة عظمى ضد الله .. ومن ثم ففي التأديب الإلهي يوجد دائماً تصحيح للمبدأ أو الجوهر الخاطئ للطبيعة، كما توجد أيضا مجازاة للضرر الذي قد نكون قد ألحقناه للإنسان رفيقنا – وهذا نجد مثاله في الحكم على آدم .. فقد كانت خطيته هي الإذعان لطلبة امرأته المخالفة لكلام الله، ربما هو لم يفعل ذلك متعمداً، أو بعبارة أخرى انه لم يعمله بعد ترو .. لكن الكلمة (كلمة الله) لم تكن مخبأة في قلبه، ولم تكن متحكمة فيه، ولم تضبطه، لأنها لو كانت كذلك لما استمع لصوت امرأته .. لكن حيث انه فرط في مركزه ومقامه، استحق عليه أن يتحمل عقوبته بأن يصبح العبد الأعظم التاعب في هذه الأرض التي كان مفروضاً فيه أن يكون هو سيدها وأميرها، وأصبح كل شيء على الأرض يحمل علامة عدم الخضوع لسيدها، ولكي يخفف وطأة التجربة، كان عليه أن يقضي حياته في تعب وكد من أجل أن يعيش، لكنه في النهاية كان عليه أن يعود للتراب لأنه تراب .. ويوجد تعليم عميق ومفيد في كل هذا .. فحتى إذا فرطنا في المركز الذي يضعنا فيه الله في أي علاقة، فإن الوضع الذي نتقهقر إليه  سيعرفنا بذكريات أليمة – فداحة ما خسرناه .. فاصغر شوكة أو حسكة، كانت تذكر آدم أنه قد فقد سيادته باستماعه لقول امرأته . وإذا كان داود قد تقاعس عن واجباته كملك (2 صم 11: 1) فقد كان عليه أن يفقد .. بطريقة مهينة .. أمجاده كملك (2 صم 15) .. كان لابد أن يذكر كيف استخف بهذه الأمجاد – يُذكر بها عن طريق نجاح ثورة ابنه عليه : "ملعون من عمل عمر الرب برخاء" (إرميا 48: 10).. وقد باءت كل جهود برنابا بالفشل في أن يقنع بولس أن يأخذا معهما مرقس الذي رجع من العمل في بمفيلية (أع 15: 37-39) .. وقد أدى رفض بولس إلى تذكير مرقس كيف أنه استهان بمهمته المعينة له من الله وهجرها .. لكن رغم أنه فقدها بسهولة لم يستعدها إلا بصعوبة .. هذه هي طبيعة تأديب آدم .. وكلما قل اجتهاده وحرصه على أن تخضَع الأمور التي تذكره بسقوطه، كلما زادت هذه الأمور، وكلما قلت قدرته أن يصمد أمامها .. بعرق جبينه لطف وضعه بالنسبة لحاجته .. وكما أن داود عاد بعد تأديب قاسي للعرش .. ومرقس أصبح نافعاً للخدمة (2 تي 4: 11) بعد أن أتى التأديب مفعوله .. فالإيمان دائماً يتصرف على مستوى أعلى من التأديب رغم أنه يتعلم منه .. كان آدم منصتاً للحكم الصادر على الجميع وقبِلَهُ، ولكنه ارتفع فوقه، فدعا اسم امراته حواء "لأنها أم كل حي" .. فالإيمان يصل إلى الله، ومن ثم ففي مقدوره أن يخضع للوضع الذي يُوقع قضائياً على نفس مخطئة، كما أن الإيمان يتطلع إلى الله (وينتظر) الوقت المحدد، والطريقة المعينة منه، للخلاص .. كما أن الإيمان يقبل العقوبة على خطيته، ليس فقط باعتبارها الجزاء العادل عليها بل يقبلها كوسيلة للتصحيح والتقويم .. والتأديب – في الحقيقة – يكون قد أتى مفعوله الأعظم، عندما تخضع النفس له كمن يثق في الله .. وآدم أظهر ذلك لأنه بتسميته امرأته بهذا الاسم يصلح ما بينه وبينها، يعوضها عن إهاناته السابقة لها .. وكذلك أصبحت (هي) التي كانت قبلاً في طبيعتها العاصية – سبب الضرر له – أصبحت الآن في عين الإيمان، قناة أو واسطة الحياة له .. بعد أن تدرب آدم و سار في الإيمان كساه الله .ومع ذلك فلم يكن ممكناً أن يتعطل التأديب أو يؤجل .. فقد طرد الله آدم من الجنة، وأرسله ليفلح الأرض التي اخذ منها، لكي يكتشف أي نوع من الإنسان كان هو، ولكي يعرف كيف أن الإيمان يسانده ويحفظه ..
إننا لا نكشف أنفسنا على حقيقتنا بلا أي تحفظات إلا في علاقاتنا المباشرة في أقرب الدوائر .. فإنسانا لا يعرف أن يدبر بيته كيف يعتني بكنيسة الله ؟؟ (1 تي 5: 3) .. فالسلطان يكون أكثر فاعلية عندما يطبق في البيت اكبر مما لو مورس على بعد .. ولو كان آدم قد تعلم من التأديب، لرأينا ذلك في قدرته على تجنب الخطأ الذي كان سبباً في معاناته .. لكن لا يبدو أنه تعلَّم .. لأن حواء أخذت مركز الذي يسمى ابنه الأكبر، متجاهلة مرة أخرى وضعها المعين لها من الله، وبدون شك ملأت ابنها ( الذي يوحي حتى اسمه بذلك) – ملأته بالطموحات التي أدت به إلى حالة العداوة الرهيبة لوعد الله، بينما نم ذلك عن عدم فهمه المطلق لهذا الوعد .. فقد كان هناك تدمير الموت – بدلاً من توقع الحياة .. وقد كانت حقيقة أن أحد الابنين قد قُتل، وأن القاتل كان هو أخاه الذي تركزت فيه الآمال – كان هذا اختباراً أو تجربة لآدم .. ما أقل إدراكنا له .. لكنه كان تأديباً أتى ثماره، لأنه رغم أنه يُقال أن حواء التي سمت اسم شيث أولاً .. إلا أنه مكتوب أيضا أن آدم سماه أيضا "شيث" مما يظهر- حسبما يبدو لي – أنه في النهاية أدرك ما كان التأديب مقصوداً أن يعلمه إياه .. وأعني انه يجب أن يتصرف نيابة عن الله – فوق أي مؤثرات – وألا يسمح لأي شيء بزحزحتة عن مسار الإيمان .. ويبدو أنه تعلم ذلك في آخر عمل سُجل له في حياته، – خاتمة مبهجة، تبين نتيجة التأديب، وهي خاتمة مناسبة وسعيدة لتاريخ حياته .
والخلاصة : نتعلم من قصة حياة آدم (1) أن البراءة أو الخلو من الشر ليس عاصماً من المؤثرات (الشريرة) (2) وأن إرضاء مفاهيمنا الأدبية أو مفاهيم أي شخص آخر ليس برهاناً أننا قد لبينا، أو أننا نستطيع أن نلبي متطلبات الله منا .. و (3) أننا إذا تخلينا عن الاحتفاظ بمركزنا المعين لنا من الله، فمن المؤكد أننا سنسقط، (4) وأن كلمة الله التي كان من المفروض أن تحفظنا في مركزنا ووضعنا ليس لها مفعول أو تأثير خارج هذا الوضع المعين لنا من الله .. (5) لكننا في تعلُّمِنا ما الذي حدث لنا عند إتباعنا ميولنا الذاتية، فإن التأديب الإلهي دائماً يكون من طبيعة أو نوعية، بحيث يصحح فشلنا وسقوطنا، وأيضا يذكرنا – بأساليب غاية في الدقة – كما فعلت الأشواك مع آدم – يذكرنا بأي حالة من الهشاشة قد أوصلتنا إليها، هذه الميول الخاصة .

ملخص
عندما خلق آدم لم يكن محتاجاً لأي تدريب لأنه كان في حالة البرارة ، وهي حالة لم يختبرها أحد غيره أو بعده .. أما عندما سقط فقد صار التدريب لازماً له لكي يتعلَّم .. وأول شيء كان لازماً له أن يتعلمه هو أن حالة البرارة ليست عاصماً له من السقوط، إذ أن الروابط الطبيعية موجودة ويمكن أن تمارس تأثيراً يؤدي إلى السقوط .. وإبليس نفسه لم يغامر أن يبدأ بإغوائه هو؛ ولكنه استخدم موضوع حبه – حواء – وعن هذا الطريق حقق هدفه بمنتهى السهولة .. ثم كان على آدم أن يتعلم أن الله لابد أن يبكت على الخطية .. وأنه لا تهرب من مواجهة الله، كما تعلم - عندئذ – عدم جدوى أي وسائل للتهرب من الله ، وأن الله الذي يبكت على الخطية هو الوحيد الذي عنده الحل لهذه المشكلة .. وقد تعلَّم عن طريق التدريب أنه – حتى بعد السقوط، عندما يكون مع الله، فإنه يكون في حالة أقوى حتى مما كان في حالة البرارة بدون الله .. وقد تعلَّم من مآزر ورق التين أن كل هذه المحاولات ما هي إلا وسائل لإخفاء حقيقة الواحد عن الآخرين، أما عن نفسه فلا، ومن باب أولى لا تصلح أن تخفيه عن عيني الله .. وأمام الله لا يصلح إلا الاعتراف والتذلل، وعندئذ سيتولى الله الأمر .. فمن ناحية المذنوبية قام الله بذبح ذبائح حيوانية تنفيذاً للمبدأ القائل: "وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة"                  (عب 9: 22) .. ومن ناحية حالة العري فإن الله كسى آدم وامرأته بجلد هذه الذبائح .. وهكذا تعلَّم آدم لزوم الكفارة في مواجهة الخطية لكي يكون في علاقة صحيحة مع الله .. على أن اعتراف آدم لم يكن كاملاً، إذ أنه حاول تبرير نفسه وتخفيف الذنب؛ لكن الله – على كل حال – قد قبل اعترافه .. لكن كان لابد من توقيع القضاء الإلهي؛ وأن ينال كل واحد من أشخاص الرواية جزاءه العادل حسب دوره تماماً؛ لكنه تعلَّم أيضا أن الذي يغوي غيره هو أكبر مذنوبية أمام الله من المذنب نفسه ..
وكان من الطبيعي أن يكون أول من يتوقع عليه القضاء هو الشيطان نفسه .. وقد جاء الحكم عليه مبرماً لا فرار منه ولا خلاص .. لكن الله انتهز هذه الفرصة لكي يعلم آدم طرقه في القضاء ، وأنه حتى في أحكام القضاء لابد أن يعلن أفكار نعمته التي لابد أن تكون لها الغلبة في النهاية على مخططات الشيطان .. فقد كان في نفس الحكم الذي تضمَّن قضاء الله على إبليس أن الله ضمَّنه الوعد بنسل المرأة الذي سيسحق رأس الحية .. وكانت هذه هي أول إشارة إلى المسيح – نسل المرأة الذي استطاع أن يسحق رأس الحية على الصليب وإن كانت عقبه قد سُحِقَت .. والدليل على أن آدم استوعب التدريب هو أنه سَّمى امرأته "حواء" أي "أم كل حي" ولم يسمها "أم كل ميت" .. وقد كانت تسمية حواء هي أول ممارسة للسلطان الذي أعطاه له الله باعتباره رأساً لها .. وكأن آدم بتسميته حواء – أم كل حي – قد آمن بوعد الله بنسلها – المسيح – الذي سيكون هو مستودع الحياة لكل من سيؤمن به .. أما حواء فهي – للأسف – لم تتعلَّم لأنها هي التي تولت تسمية ابنها قايين مع أن التسمية لم تكن من اختصاصها لأنها نوع من السلطان الذي اختص الله به آدم وحده .. وهكذا جاءت التسمية خاطئة .. فقد تصورت أن قايين هو النسل الموعود .. لكن قايين لم يكن هو النسل الذي سحق رأس الحية ؛ ولكنه سحق رأس أخيه ..
وهكذا حقق التدريب الإلهي غرضه في آدم وكانت آخرته أفضل من أولاه .. لإلهنا كل المجد !! .. (المعرَّب) .