الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

 

معرفة الله

The Knowledge of God

 

الله كلي المعرفة , إنه يعرف كل شئ , كل ما هو ممكن , كل ما هو واقع , كل الأحداث , كل المخلوقات , هو إله الماضي , والحاضر , والمستقبل , إنه علي علم تام بكل التفاصيل في حياة كل كائن في السماء , وعلي الأرض وفي الجحيم , "هُوَ يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ وَالأَسْرَارَ. يَعْلَمُ مَا هُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَعِنْدَهُ يَسْكُنُ النُّورُ" (دا 2 :22) لا يوجد شئ يفلت من ملاحظته , لا يُخفي عنه شئ , ولا يُنسي منه شئ , نقدر أن نقول مع كاتب المزمور "عَجِيبَةٌ هذِهِ الْمَعْرِفَةُ، فَوْقِي ارْتَفَعَتْ، لاَ أَسْتَطِيعُهَا" (مز139 : 6) معرفته الكاملة , إنه لا يخطئ أبداً , ولا يتغير أبداً , ولا يغفل عن شئ أبداً , "وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا" (عب 4 : 13)  نعم , هذا هو الله "الذي معه أمرنا (نحن)" .

"أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا" (مز 139 : 2-4).  يا له من "كائن"عجيب إله الكتاب المقدس هذا ! , يجب أن تعطيه كل صفة من صفاته المجيدة كرامة في تقديرنا . حين ندرك كمال معرفته علينا أن ننحني إجلالاً له  , لكننا قليلاً ما نتأمل في صفة الكمال الإلهية هذه ! , هل يرجع هذا لكون التفكير فيها يصيبنا بالقلق ؟ .

كم هي حقيقة مهيبة ! , لا يُخفي عنه شئ ! , "قُلْ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هكَذَا قُلْتُمْ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، وَمَا يَخْطُرُ بِبَالِكُمْ قَدْ عَلِمْتُهُ." (حز 11 : 5) , رغم كونه خفياً عنا , فنحن لا نقدر أن نُخفي عنه شئ , لا تقدر أكثر الليالي ظلاماً , أو أكثر الستائر إعتاماً , أو أكثر السجون عمقاً أن تُخفي خاطئاً عن عيني معرفته الكاملة , لم تقدر أشجار الجنة أن تُخفي أبوينا الأولين , لم تري أي عين بشرية قايين حين قتل أخاه , لكن صانعه شهد جريمته , قد تكون سارة ضحكت بسخرية في عزلة خيمتها , لكن يهوه سمعها , سرق عخان لساناً ذهبياً وخبأه بعناية في الأرض , لكن الرب أظهره للنور , تعب داود كثيراً ليخبئ شره , لكن سريعاً ما أرسل الله الذي يري كل شئ واحد من خدامه ليقول له "أنت هو الرجل" ويقول أيضاً للكاتب والقارئ "وَتَعْلَمُونَ خَطِيَّتَكُمُ الَّتِي تُصِيبُكُمْ." (عد 32 : 23) .

قد يحاول البشر ان يحرموا الله من صفة المعرفة الكاملة , ويا له من دليل علي أن "اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِللهِ، " (رو 8 : 7) ! , يكره الأشرار صفة الكمال الإلهية هذه بقدر ما يكرهون أيضاَ أنهم مجبرون طبيعياً أن يعترفوا بها . إنهم يتمنون لو أنه لا يوجد الله , هذا الشاهد علي خطاياهم , الفاحص لقلوبهم , والديان لأعمالهم , إنهم يسعون لينفوا الله هذا من أفكارهم "وَلاَ يَفْتَكِرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنِّي قَدْ تَذَكَّرْتُ كُلَّ شَرِّهِمْ. اَلآنَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ أَفْعَالُهُمْ. صَارَتْ أَمَامَ وَجْهِي" (هوشع 7 : 2) . كم أن المكتوب في (مز 90 : 8) كلام رهيب ومُخيف ! , وهو سبب جيد لكل من يرفض المسيح لكي يرتعد قدامه "قَدْ جَعَلْتَ آثامَنَا أَمَامَكَ، خَفِيَّاتِنَا فِي ضَوْءِ وَجْهِكَ" .

أما بالنسبة للمؤمن , فحقيقة كمال معرفة الله هي حقيقة مشحونة بالكثير من التعزية , فهو يقول في أوقات الحيرة مع أيوب "لأَنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي" (ايوب 23 : 10) , قد يكون هذا أمراً عميق الغموض بالنسبة لي , وغير مفهوم علي الإطلاق لأصدقائي , لكن "اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ" (لو 16 : 15) , في أوقات القلق و الضعف يطمئن المؤمنون أنفسهم , "لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز 103 : 14) , في أوقات الشك والريبة يلجأون لتلك الحقيقة قائلين "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا" (مز 139 : 23-24) , في أوقات الفشل الحزين , حين تناقض أعمالنا قلوبنا , ويأتينا السؤال الفاحص "أتحبني؟" نقول مع بطرس "يَارَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ" (يو 21 : 17) .

ها هو تشجيع علي الصلاة , لا يوجد سبب للخوف من ألا تُسمع تضرعات الصديقين , أو أن تفلت تأوهاتهم ودموعهم من ملاحظة الله , لأنه يعرف أفكار القلب ونياته , لا يوجد خطر أن يتم التغاضي عن قديس واحد وسط جموع المتضرعين الذين يقدمون تضرعاتهم كل يوم وكل ساعة , لأن العقل غير المحدود قادر ان يعطي نفس الاهتمام بملايين البشر , وكأنه لا يوجد غير شخص واحد يلتمس اهتمامه , وكذلك عجز اللغة المناسبة , وعدم القدرة علي التعبير عن أعمق أشواق النفس , لا تعرض صلواتنا للخطر , لأنه "وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ" (اش 65 : 24) .

"عَظِيمٌ هُوَ رَبُّنَا، وَعَظِيمُ الْقُوَّةِ. لِفَهْمِهِ لاَ إِحْصَاءَ" (مز 147 : 5) , ليس الله علي علم فقط بما جري في الماضي في كل نواحي سلطانه الواسع , وهو لا يدري دراية كاملة فقط بكل ما يجري في كل أنحاء الكون , لكنه أيضاً مدرك تماماً بكل حدث , من أقلها الي اكبرها سيحدث في العصور القادمة , معرفة الله بالمستقبل معرفة تامة , تماماً كمعرفته بالماضي والحاضر , وذلك لأن المستقبل يعتمد بالكامل علي الله نفسه , لو كان من الممكن ان يحدث أي شئ بمعزل عن تدخل الله المباشر أو سماحه لكان هذا الشئ مستقلا عن الله , ولن يعود الله هو الكائن الأعظم .

ليست معرفة الله بالمستقبل مجرد أمر مجرداً , لكنها امر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بخطته ويصاحبها , لقد أعدّ الله نفسه ما سيحدث , وما قد أعده لابد وأن يتم , وكما تؤكد كلمته الأكيدة , "هُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ، وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟»." (دا 4 : 35) وأيضاً "فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ، لكِنْ مَشُورَةُ الرَّبِّ هِيَ تَثْبُتُ." (أم 19 : 21) , ولكون حكمة الله وقوته أمرين غير محدودين , فتتميم ما قصده هو أمر مضمون ضماناً مطلقاً , عدم إمكانية فشل المشورة الإلهية في قصدها هو أمر أكيد مثل عدم إمكانية كذب الله القدوس مثلث الأقانيم .

لا يوجد أمر غير أكيد فيما يتعلق بأي شئ في المستقبل بالنسبة لتحقيق مشورة الله , لا يوجد قصد واحد من مقاصد الله معتمد سواء علي المخلوقات أو الأسباب الثانوية , لا يوجد حدث مستقبلي هو مجرد احتمال , أي أنه أمر قد يحدث أو لا يحدث "مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ." (أع 15 : 18) , فما قد قرره الله هو أمر أكيد لا محالة , لأنه "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع 1 : 17) , لذلك عرفنا في بداية هذا الكتاب الذي يكشف لنا الكثير عن المستقبل , عن "مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ" (رؤيا 1 :1) .

معرفة الله الكاملة تتمثل وتتضح في كل نبوة مسجلة في كلمة الله  , في العهد القديم ستجد سجلات لنبوات تتعلق بتاريخ اسرائيل , وقد تمت بحذافيرها , وذلك بعد قرون من التنبؤ بها , وتجد فيها أيضاً نبوات اكثر عن حياة المسيح الأرضية , وقد تمت هذه ايضاً حرفياً وبالتمام , لا يمكن ان تُعطي هذه النبوات إلا من الواحد الذي كان يعرف النهاية من البداية , والذي تأسست معرفته علي التأكيد غير المشروط من تحقق كل ما أخبر به , وبنفس الطريقة , احتوي كل من العهد الجديد علي إعلانات اخري مستقبلية وكل ما فيها أيضاَ "أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ " (لو 24 : 44) ولابد أن يكون هذا لأن الذي أخبر بها هو الذي أصدرها .

لذلك يجب أن نوضح أنه لا يجب اعتبار معرفة الله بالمستقبل أو إدراكه له , هما أمور مسببه في ذاتها  , لم يحدث شئ , أو سيحدث فقط لمجرد علم الله به , المُسبب لكل شئ هو إرادة الله , من يؤمن حقاً بكلمة الله يعرف مسبقاً أن الأزمنة ستستمر في التتابع بانتظام لا يفشل حتي انتهاء تاريخ الأرض (تك 8 : 22) , ولكن معرفته ليست هي المسبب وراء تتابعها , إذا لا تنشأ معرفة الله من الأشياء لأنها موجودة أو ستوجد بل لأنه رتب وجودها , كان الله يعمل بصلب ابنه وأخبر بها قبل أن يتجسد بمئات السنين , وهذا لأنه في خطته الإلهية , كان هو الحمل المذبوح منذ تأسيس العالم , لذلك نقرأ أنه كان "مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، " (اع 2 : 23) .

إليك كلمة بخصوص هذا الشأن , يجب أن تملأنا معرفة الله غير المحدودة بالدهشة , كم أن الله مرتفع عن أحكم حكماء البشر ! , لا يعرف أي منا ما ستجلبه الأيام , لكن المستقبل مكشوف أمام عينيه التي تعلم كل شئ , يجب أن تملأنا معرفة الله غير المحدودة بالرهبة المقدسة , لا يوجد ما نفعله , أو نقوله , أو نفكر فيه , يفلت من نظر ذاك الذي معه أمرنا لأن "فِي كُلِّ مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ مُرَاقِبَتَانِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ." (أم 15 : 3) , كم سيكون هذا الأمر ضابطاً لحياتنا , إن تأملنا فيه كثيرا ! , بدلا من التصرف برعونة , علينا ان نقول مع هاجر "«أَنْتَ إِيلُ رُئِي». " (تك 16 : 13) (أي انت الله الذي يري كل شئ) , يجب أن يملأ إدراك معرفة الله الكاملة المؤمنين بالتعبد , لقد كانت حياتي كلها مكشوفه لعينيه من البداية , كان يري كل سقطاتي , كل خطاياي , كل ارتدادي , ومع ذلك , وضع قلبه عليَّ , كم ان هذا الإدراك يجعلني أنحني وأسجد أمامه !! .

 

 للكاتب : ارثر بنك

السبت، 10 سبتمبر 2022

الله الذي لا يتغير

 

الله الذي لا يتغير

 

هذه واحدة من الكمالات الإلهية التي لا يتأمل فيها كثيرون , أنها من صفات التميز التي للخالق والتي تميزه عن مخلوقاته , الله هو هو علي الدوام , لا يخضع لأي تغيير في وجوده , أو صفاته , أو قراراته , لذلك يشبه الله بالصخرة (تث 32 : 4) التي تبقي بلا حراك , في حين أن المحيط كله الذي يحيط بها في حالة تقلب مستمرة , وبالرغم من ذلك , رغم أن كل المخلوقات قابلة للتغيير , فالله ثابت لا يتغير , وحيث إن الله ليس له بداية أو نهاية , فهو لا يعرف أي تغيير , إنه إلي الأبد "أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع 1 : 17) . .

أولاً : الله ثابت لا يتغير في جوهره , طبيعته ووجوده غير محدودين , لذلك فهو لا يخضع لأي تحوُّل , لم يكن هناك زمن لم يوجده فيه , ولن يوجد زمن سيتوقف الله عن كونه فيه , لم يطرأ علي الله أي تطور , أو نمو , أو تحسين , كل ما هو عليه الآن , كان منذ الأزل , وسيبقي إلي الأبد , "لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ " (ملا 3 : 6)  هذا هو تأكيده التام , لا يمكنه أن يتغير للأحسن , لأنه كامل بالفعل , وحيث إنه كامل , لا يمكنه أن يتغير للأسوأ , إنه لا يتأثر مطلقاً بأي شئ خارج عنه , التحسن او التدهور هما أمران مستحيلان , إنه هو هو علي الدوام , هو الوحيد القادر أن يقول "«أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ»" (خر 3 : 14) إنه لا يتأثر علي الاطلاق بمرور الزمن , لا توجد تجاعيد علي جبين الأبدية , لذلك لا يمكن لقوته أن تقل أو لمجده أن يزول.

ثانياً : الله ثابت لا يتغير في صفاته , الصفات التي كان الله عليها قبل دعوة الكون للوجود , هي هي بالضبط الآن , وستبقي كذلك للأبد , وهذا بالضرورة , لأنها هي نفسها كمالات وجوده  وصفاته الأساسية , "هو هو دائماً" هي عبارة مكتوبة علي كل منها , قوته لا تخمد , وحكمته لا تنقص , وقداسته لا تتلوث , كما ان اللاهوت لا يمكن ألا يوجد , كذلك لا يمكن لصفات الله ان تتغير , صدقه لا يتغير , لأن كلمته "إِلَى الأَبَدِ يَا رَبُّ كَلِمَتُكَ مُثَبَّتَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ" (مز 119 : 89) , محبته أبدية "مَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، " (ار 31 : 3) "قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو 13 : 1) , رحمته لا تتوقف لأنها إلي الأبد (مز 100 : 5) .

ثالثاً : الله ثابت لا يتغير في مشورته , إرادته لا تتغير , قد يعترض البعض قائلين إن علينا أن نقرأ التالي : "فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ" (تك 6 : 6)  , وأول رد لنا هو : إذا فهل تناقض كتبه نفسها ؟ لا , هذا لا يمكن أن يكون لأنه "لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟" (عدد 23 : 19) وكذلك (1صم 15 : 29) "نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ»." التفسير البسيط جداً , حين يتكلم الله عن نفسه , يستخدم كثيراً كلمات تتوافق مع قدراتنا المحدودة , إنه يصف نفسه كمن يكتسي باعضاء جسدية , كالعينين  , والأذنين , واليدين , إنه يقول عن نفسه إنه "يستيقظ" (مز 78 : 65) وإنه يصحو "مبكراً" (ار 7 : 13) , ولكنه لا ينعس ولا ينام وحين ينشئ تغيراً في تعاملاته مع البشر  , فهو يصف هذا السلوك "بالندم" .

نعم , الله ثابت لا يتغير في مشورته , "لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ." (رو 11 : 29) , ويجب ان تكون كذلك لأنه "أَمَّا هُوَ فَوَحْدَهُ، فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ وَنَفْسُهُ تَشْتَهِي فَيَفْعَلُ." (أيوب 23 : 13)  , التغير والاضمحلال موجودان في كل شئ نراه , خططه : الاحتياج للرؤية المسبقة لتوقع كل شئ , أو عدم القدرة علي تنفيذها , ولكن حيث إن الله كل العلم وكلي القدرة فلا حاجة له أن يغير مقاصده , لا " مُؤَامَرَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الأَبَدِ تَثْبُتُ. أَفْكَارُ قَلْبِهِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ." (مز 33 : 11)  لذلك نقرأ عن "عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ،" (عب 6 : 17) .

وهنا يمكننا أن ندرك المسافة اللانهائية التي تفصل بين أعلي المخلوقات والله العلي , ان تكون مخلوقاً وقابلاً للتغير هما تعبيران متلاصقان , لو لم يكن المخلوق قابلا للتغير بالطبيعة , لما كان مخلوقاً : لكان هو الله , بالطبيعة نحن لا شئ لأننا جئنا من لا شئ , لا يوجد ما يمنع فناءنا إلا إرادة الله وقوته الساندة , لا يقدر أحد أن يحمل نفسه ولا لحظة واحدة , نحن نعتمد بالتمام علي الخالق في كل نسمة نتنفسها , ونحن نعترف بسرور مع كاتب المزمور , "الْجَاعِلَ أَنْفُسَنَا فِي الْحَيَاةِ، " (مز 66 : 9) , يجب ان يجعلنا ادراك هذه الحقيقية نسجد في شعور من عدم الاستحقق في محضره , "لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (اع 17 :28) .

لأننا مخلوقات ساقطة فنحن لسنا فقط قابلين للتغير , بل أيضاً كل ما فينا يقاوم الله , لذلك نحن "نُجُومٌ تَائِهَةٌ " (يه 13) , ندور خارج مسارنا الصحيح , الأشرار "كَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا." (إش 57 : 20) البشر الساقطون غير مستقرين , كلمات يعقوب عن رأوبين تنطبق بكل قوة علي كل بني ادم "فَائِرًا كَالْمَاءِ لاَ تَتَفَضَّلُ،" (تك 4:49) , لذلك ليس فقط من التقوي , بل أيضاً من الحكمة أن نتبع هذا التحريض "كُفُّوا عَنِ الإِنْسَانِ الَّذِي فِي أَنْفِهِ نَسَمَةٌ، لأَنَّهُ مَاذَا يُحْسَبُ؟" (إش 2 : 22) . لا يوجد انسان يُعتمد عليه "لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ." (مز 146 : 3) . إن عصيت الله , فأنا أستحق ان يخدعني رفاقي ويخيبوا أملي , من يحبونك اليوم , قد يكرهونك غداً . نفس الجموع التي صرخت "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!" تغيروا سريعاً إلي "خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ! " .

وهنا نجد تعزية ثابتة , لا يمكن الاعتماد علي الطبيعة البشرية , لكن يمكن الاعتماد علي الله ! . مهما كنت غير ثابت , ومهما كان أصدقائي متقلبين , فالله لا يتغير , لو كان متغيرا مثلنا , لو كان يريد اليوم أمراً وغيره غداً , لو كانت تحكمه النزوات , فمن يثق به ؟ لكن الله الذي لاسمه المجيد كل التسبيح , هو هو لا يتغير , مشيئته ثابتة , إرادته مستقرة , وكلمته أكيدة , نجد هنا صخرة نثبت عليها أقدامنا , بينما يقوم السيل العظيم باكتساح كل شئ حولنا , دوام شخصية الله يضمن تحقيق وعوده , "فَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ، وَالآكَامَ تَتَزَعْزَعُ، أَمَّا إِحْسَانِي فَلاَ يَزُولُ عَنْكِ، وَعَهْدُ سَلاَمِي لاَ يَتَزَعْزَعُ، قَالَ رَاحِمُكِ الرَّبُّ." (إش 54 : 10) . ونجد هنا تشجيعاً علي الصلاة :

"أي تعزية في الصلاة لإله مثل الحرباء , يغير لونه كل لحظة ؟

من سيتضرع إلي رئيس أرضي متغير حتي أنه يقبل تضرعاً اليوم

, ويرفضه في يوم آخر ؟"

(ستيفن تشيرنوك )

 

قد يسأل أحدهم , وما الفائدة من الصلاة لمن قد ثبّت ارداته بالفعل ؟ والإجابة هي لأنه يطلب منا ذلك , ما هي البركات التي وعد الله بها بدون أن نطلبها ؟ "إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا" (1يو 5 : 14) وهو قد أراد كل شئ لخير أولاده , إن كنا نطلب شيئا ليس حسب مشيئته فهذه ليست صلاة , إنها تمرد صريح .

ونجد هنا رعباً للأشرار , من يرفضون الله , ويكسرون نواميسه , ولا يبالون بمجده , بل يعيشون وكأنه غير موجود , عليهم ألا يفترضوا , حين يصرخون في النهاية طالبين رحمته , أنه سيغير إرادته , أو يبطل كلمته , ويلغي تهديداته المخيفة , لا , فقد أعلن " فَأَنَا أَيْضًا أُعَامِلُ بِالْغَضَبِ، لاَ تُشْفُقُ عَيْنِي وَلاَ أَعْفُو. وَإِنْ صَرَخُوا فِي أُذُنَيَّ بِصَوْتٍ عَال لاَ أَسْمَعُهُمْ»." (حز 8 : 18) . لن ينكر الله نفسه ليرضي شهواتهم , الله قدوس , ولا يتغير , لذلك فالله يكره الخطية , يكرهها كراهية أبدية , ومن هنا تأتي أبدية عقوبة كل من يموت في خطاياه .

" ثبات الله وعدم تغيره مثل السحاب الذي كان يفصل بين الاسرائيليين وجيش المصريين , له جانب مظلم كما أن له جانب مضئ , إنه يضمن تنفيذ تهديداته , كما يضمن تميمه لمواعيده , وينهي الأمل الذي يتمسك به الخطاة بحماقة , أنه سيتعامل معهم بطريقة أخف من الإعلانات التي تقودنا كلمته لنتوقعها , ونحن نضع أمام هذه التوقعات الخادعة المتغطرسة الحقيقة الراسخة أن الله لا يتغير في الحق والمشيئة , في الأمانة والعدل" .

(جون ديك)

 

للكاتب : ارثر بنك

الأحد، 4 سبتمبر 2022

أمانة الله

 

أمانة الله

The Faithfulness of God

 

الخيانة Unfaithfulness هي واحدة من الخطايا المميزة لهذه الأيام الشريرة، في عالم الأعمال، لم تعد كلمة الإنسان، مع وجود استثناءات شديدة الندرة ، إلتزام عليه، في العالم الاجتماعي، نجد الخيانة الزوجية في كل مكان، أصبحت روابط الزواج المقدسة تنكسر بلا اعتبار وكأنك تتخلص من رداء قديم . في النطاق الكنسي، هناك آلاف ممن تعهدوا بجدية أن يعظوا بالحق، لا يترددون أن يهاجموه وينكروه. لا يوجد قاري أو كاتب يزعم أنه محصن بالتمام من هذه الخطية المخيفة كم كنا خائنين للمسيح، وللنور والامتيازات التي أوكلها لنا الله! ,  يا له من أمر مريح، ومبارك بطريقة لا يُعبَّر عنها ، أن نرفع أعيننا من على مشهد الهلاك هذا، وننظر الواحد الأمين، الأمين في كل شيء، الأمين في كل وقت .

"فاعلم أن الرب إلهنا هو الله الإله الأمين" (تث ۷ : 9) ، هذه الصفة هي صفة أساسية لوجوده، وبدونها لا يكون هو الله . أن يكون الله غير أمين هو تصرف عكس طبيعته ، وهذا أمر مستحيل : "إن كنا غير أمناء فهو يبقي أمينا، لن يقدر أن ينكر نفسه" (۲ تي 2 : 13). الأمانة هي واحدة من الكمالات المجيدة لوجوده. إنه كمن يكتسي بها : "یا رب إله الجنود من مثلك قوي رب وحقك ( أمانتك) من حولك" (مز ۸۹ : ۸). وأيضا حين تجسد الله، قيل عنه "ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه" (إش 11 : 5) .

يا لها من كلمة التي في (مزمور 36: 5 ) "یا رب في السماوات رحمتك. أمانتك إلى الغمام" أمانة الله غير المتغيرة هي أعلى من أي فهم محدود. كل ما يتعلق بالله هو عظيم، وواسع، وليس له نظير. إنه لا ينسى، أو يخذل، أو يخون, أو يتخلى عن كلمته أبداً. لقد أتم الله بالضبط كل إعلان عن وعد أو نبوة , وسيحقق كل ارتباط  في عهد أو خطر لأنه مكتوب، "ليس الله إنسانا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل أو يتكلم ولا يفي" (عد 23: 19 ). لهذا يهتف المؤمن، "لأن مراحمه لا تزول، هي جديدة في كل صباح. كثيرة أمانتك" ( مرا 3 : 22-23)  .

تذخر كلمة الله بالأمثلة عن أمانة الله. منذ أكثر من أربعة آلاف عام قال "مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل لا تزال"   (تك8 : ۲۲) ، كل سنة تأتي تقديم شهادة جديدة عن تتميم الله لهذا الوعد في (تكوين15) نجد أن يهوه أعلن لإبراهيم، "اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا في أرض ليست لهم، ويستعبدون لهم .. وفي الجيل الرابع يرجعون إلى ههنا" (الأعداد 13-16) مرت القرون، وتأوهت ذرية إبراهيم وسط قمائن الطوب في مصر، هل نسي الله وعده ؟ لا  ، أبداً, اقرأ خروج (۱۲: 41)، "وكان عند نهاية أربع مئة وثلاثين سنة، في ذلك اليوم عينه، أن جميع أجناد الرب خرجت من أرض مصر" أعلن الرب من خلال إشعياء، "ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (۷ : 14)، ومرت قرون أخرى، لكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة (غلا 4: 4).

الله أمين , كلمة وعده أكيدة في كل تعاملاته مع شعبه , يمكنك أن تتكل عليه باطمئنان , لم يوجد أحد اتكل عليه وخذله , نجد تعبيراً عن هذه الحقيقة الثمينة في كل أنحاء الكتاب المقدس , لأن شعبه يحتاج أن يعرف أن الأمانة جزء أساسي من شخصية الله , هذا هو أساس ثقتنا فيه . لكن قبول أمانة الله كحق إلهي أمر , والحياة بها أمر آخر , لقد وهب الله لنا الكثير من "المواعيد العظمي والثمينة" (2بط 1 : 4) لكن هنا نعتمد حقاً علي تتميمه لها ؟ هل نتوقع حقاً أنه سيفعل لنا كل ما قاله ؟ هل نتكل بضمان قلبي علي هذه الكلمات . "لأن الذي وعد هو أمين" (عب 10 : 23) ؟

هناك أوقات في حياة الجميع حين يكون من الصعب , حتي علي المؤمنين أن يؤمنوا أن الله حقاً أمين , يخضع إيماننا للاختبار المرير, وتوضع سحابة من الدموع علي أعيننا , ولا نعود نقدر أن نتتبع أعمال محبته , تتشتت آذاننا من ضوضاء العالم , وتًنهك من همسات الشيطان الإلحادية , ولا نعود قادرين علي سماع الهمسات الحلوة لصوته الهادئ المنخفض , كم من مرة  أحبطت الخطط الغالية علينا , وكم خذلنا أصدقاء كنا نعتمد عليهم , وكم تعرضنا لخيانة أخ أو أخت مزعومين في المسيح , نترنح , حاولنا أن نكون أمناء لله , لكن الآن توجد سحابة سوداء تخفيه عنا , نجد أنه من الصعب , نعم , ومن المستحيل أن يقبل العقل الجسداني وجود تناغم بين العناية الإلهية العابسة ووعوده الثمينة , آه أيتها النفس المتعثرة , يا رفيقي السائح المُجَرَّب بشدة , اطلب نعمة لتنتبه إلي (إشعياء 50 : 10) "مَنْ مِنْكُمْ خَائِفُ الرَّبِّ، سَامِعٌ لِصَوْتِ عَبْدِهِ؟ مَنِ الَّذِي يَسْلُكُ فِي الظُّلُمَاتِ وَلاَ نُورَ لَهُ؟ فَلْيَتَّكِلْ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ وَيَسْتَنِدْ إِلَى إِلهِهِ" .

حين توضع أمام تجربة الشك في أمانة الله , اصرخ "اذهب عني يا شيطان" رغم أنك لا تقدر الآن أن تري تناغماً بين تعاملات الرب الغامضة وإعلانات محبته , اصبر له ليعطيك نوراً أكثر , في وقته الحسن سيوضح لك الأمر , "لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد" (يوحنا 13 : 7) . ستعلن لك النهاية أن الله لم يترك أبنه او يخدعه , "وَلِذلِكَ يَنْتَظِرُ الرَّبُّ لِيَتَرَاءَفَ عَلَيْكُمْ. وَلِذلِكَ يَقُومُ لِيَرْحَمَكُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهُ حَقّ. طُوبَى لِجَمِيعِ مُنْتَظِرِيهِ" (أش 30 : 18) .

لا تحكموا علي الرب بفكر قاصر , بل فيه وفي نعمته ثقوا ,

فخلف عنايته العابسة , وجهه البسام يختفي,

يا قديسيه الخائفين , تشجعوا من جديد,

هذه الغيوم التي ترهبكم , تذخر بالرحمة وستتحول

إلي بركات علي رؤوسكم.

"عدلا أمرت بشهاداتك وحقاً (أمينة) إلي الغاية" (مز119 : 138) . لم يخبرنا الله فقط بالأفضل , بل أيضاً لم يمنع عنا الأسوأ , لقد وصف لنا بأمانة الدمار الذي جلبه السقوط , لقد شخَّص بأمانة الحالة المرعبة التي أحدثتها الخطية , لقد أعلن بأمانة كراهيته الشديدة للشر , وأنه لابد أن يعاقبه , لقد حذرنا بأمانة أنه "نار آكلة" (عب 12 : 29) , لا تذخر كلمته فقط بالأمثلة عن إخلاصه في تتميم وعوده , بل أيضاً تسجل الأمثلة العديدة علي أمانته في الوفاء بتهديداته , كل مرحلة من مراحل تاريخ إسرائيل تقدم أمثلة علي هذه الحقيقة الراسخة , وكان الأمر كذلك مع الأفراد , فرعون , قورح , عخان , ومجموعة أخري كبيرة هم أدلة متعددة , وسيكون الأمر هكذا معك يا عزيزي القارئ , إن لم تكن هربت أو تهرب الآن لاجئاً للمسيح , سيكون اللهيب الأبدي في بحيرة النار هو نصيبك الأكيد المضمون , الله أمين .

* الله أمين في حفظه لشعبه : "أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا" (1كو 1 : 9) . في الآية السابقة هناك وعد أن الله يضمن شعبه إلي المنتهي , لم تكن ثقة الرسول في الضمان المطلق للمؤمنين مؤسسة علي قوة عزيمتهم أو قدرتهم علي الحفاظ علي أنفسهم , بل علي صدق ذاك الذي لا يكذب , حيث أن الله قد وعد ابنه بشعب خاص كميراث له , وأن يخلصهم من الخطية والدينونة , وأن يجعلهم شركاء الحياة الأبدية في المجد , فمن المؤكد أنه لن يسمح بهلاكهم .

* الله أمين في تأديب شعبه : إنه أمين في ما يمنعه أمانة لا تقل عن أمانته في ما يمنحه , إنه أمين في إرسال الحزن أمانة لا تقل عن أمانته في إعطاء الفرح , أمانة الله هي حقيقة علينا أن نعترف بها ليس فقط حين نكون في راحة , بل أيضا حين نخور تحت أقسي انتهار , ولا يجب أن يكون هذا الاعتراف فقك من أفواهنا , بل من قلوبنا أيضاَ , عندما يضربنا الله بعصا التأديب , فأمانته هي التي تدبًّر ذلك , الاعتراف بذلك يعني أن نتضع أمامه , ونعترف أننا نستحق تمام الاستحقاق لتوبيخه , وبدل التذمر , نشكره من أجله , لا يؤدب الرب أبداً بلا سبب , يقول بولس "مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ" (1كو 11 : 30) معطياً مثالاً عن هذا المبدأ , حين تقع عصاه علينا فلنَقُل مع دانيال "لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ،" (دانيال 9: 7) .

"قَدْ عَلِمْتُ يَا رَبُّ أَنَّ أَحْكَامَكَ عَدْلٌ، وَبِالْحَقِّ (بالأمانة) أَذْلَلْتَنِي" (مز 119 : 75) . ليست الضيقات والشدائد مجرد أمر يتفق مع محبة الله التي تعهد بها في العهد الأبدي , لكنها أيضاً جزء من إعلانه أيضاً . "أَفْتَقِدُ بِعَصًا مَعْصِيَتَهُمْ، وَبِضَرَبَاتٍ إِثْمَهُمْ أَمَّا رَحْمَتِي فَلاَ أَنْزِعُهَا عَنْهُ، وَلاَ أَكْذِبُ مِنْ جِهَةِ أَمَانَتِي" (مز 89 : 23-33) , ليس التأديب مجرد شئ يتفق مع رحمة الله , بل هو أيضاً نتيجة لها وتعبير عنها , سيهدأ بال شعب الله كثيراً إن تذكروا أن عهد محبته يملي عليه أن يؤدبهم في وقته . الضيقات ضرورية لنا لأنه, "فِي ضِيقِهِمْ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ" (هو 5 : 15) .

* الله أمين في تمجيد شعبه : "أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا" (1تس 5 : 24) الإشارة المباشرة هنا هي لحفظ القديسين بلا لوم إلي مجئ ربنا يسوع المسيح , لا يتعامل الله معنا علي أساس فضائلنا (لأننا لا نملك أياً منها) , لكن لأجل خاطر اسمه العظيم , الله أمين لذاته ولمشيئة نعمته "وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، .... فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا." (رو 8 : 30) . إن الله يعطي دليلاً كاملاً علي استمرارية صلاحه الأبدي لمختاريه بأن يدعوهم بشكل فعال ليخرجوا من الظلمة الي نوره العجيب , ويجب أن يطمئنهم هذا بالتام "وَلكِنَّ أَسَاسَ اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ، " (2تي 2 : 19) كان بولس يتكل علي أمانة الله حين قال "لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ" (2تي 1 : 12) .

إدراكنا لهذه الحقيقة المباركة يحفظنا من القلق , أن نمتلئ من الهم , ان نري موقفنا ونتوجس من مستقبل مظلم , أن ننتظر الغد بقلق حزين , هو أمر يناقض تماماً أمانة الله , من أهتم بابنه كل هذه السنوات , لا يتخلي عنه في كبر سنه , من سمع صلواتك في الماضي , لن يرفض أن يسدد احتياجك في الطوارئ الحالية , إهدأ عند سماع كلمات ( أيوب 5 : 19) "فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ" .

إدراكنا لهذه الحقيقة المباركة يكبح تذمرنا . يعرف الرب ما هو لخير كل منا , ومن نتائج الاتكال علي هذه الحقيقة أنها ستسكت شكوانا الرديئة . نحن نكرم الله جداً , في التجربة أو تحت التأديب , حين تكون لنا أفكار جيدة عنه , حين ننتظر لحكمته وعدله , ونري محبته في توبيخاته .

إدراكنا لهذه الحقيقة المباركة سيلد فينا زيادة في ثقتنا بالله , "فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ،فِي عَمَلِ الْخَيْرِ" (1بط 4 : 19) , حين نسلم أنفسنا وكل أمورنا بثقة في يدي الرب , مقتنعين تماماً وأمانته , سرعان ما سنجد شبعاً في رعايته وندرك أنه " عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا" (مر 7 : 37).

 

 للكاتب : ارثر بنك