السبت، 10 مايو 2014

الانفصال

الانفصال في الكتاب المقدس


إن الحق المختص بالانفصال يمكننا أن نوليه الأهمية العظيمة إذا عرفنا أنه موجود في أول صفحة من أسفار الكتاب, فنقرأ في تكوين 1: 4 "وفصل الله بين النور والظلمة". هذا هو حق الانفصال. ومن المفيد لنا أن نتأمل هذا العدد. فسفر التكوين هو "المشتل أو الوعاء الذي يجمع بذار الكتاب" وبذرة كل حق تتخلل أسفار الكتاب كلها. وكم هو أمر مُلذ لنا أن نتعلم أن الانفصال هو أولى الحقائق التي يستحضرها الكتاب أمامنا, كما نجدها في الإصحاحات الأخيرة للسفر الأخير من الكتاب حيث يُستعلن الانفصال الأبدي والنهائي للمُخلّصِين عن الهالكين.
إنه موضوع يستحق منا كل اهتمام وتقدير واجتهاد, فرغبة كل واحد من أولاد الله الحقيقيين أن يفعل إرادة أبيه. وأحياناً لا تسير هذه الرغبة كما يجب أن تكون, لأن الطبيعة القديمة فينا تستاء من الانفصال وتتعلق بالأشياء القديمة. إنه قول صحيح ما نسمعه إن المرء متى خلص فإنه سُلِب من هذا العالم. ومتى حاول المؤمن أن يستمر في مسرات العالم وطرقه فإنه لا يقدر أن يستمتع كما كان يفعل ذلك في الأيام التي سبقت تجديده. إنها حقيقة بالنسبة إلى حياته الجديدة وطبيعته الجديدة, شخص منفصل كما أن النور منفصل عن الظلمة. وروح الله القدوس يسكن أجساد المؤمنين ويسكب محبة الله في قلوبنا, أما إذا سمحنا للخطية أن تجد مجالها فإنه يحزن ويجعلنا غير سعداء حتى نعترف بها "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم" 1 يوحنا: 9. وهذا هو السبب في أن المؤمن الحقيقي لا يجد مسرته في العالم كما كان قبل أن يخلص.
والانفصال يبدأ عندما يخلص المرء, لأن الله يفصل المؤمن عن العالم الذي هو تحت الدينونة. وموقف العالم من هذا المؤمن " خذوه بعيداً مع المسيح" وهكذا يُعلّق الاتهام فوق رأسه أنه من أتباع المسيح المرفوض منهم.فعندما يقبل المرء الرب يسوع المسيح كمخلصه فإنه يتقدس أو ينفصل للمجد مع المسيح الذي في السماء. "الذي يؤمن به لا يدان, والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" يوحنا 3: 18. ونحن كمؤمنين قد أحضرنا إلى مركز جديد. فنحن لسنا من العالم (يوحنا 17: 16) بل بالحري مرتبطين بالسماء حيث مواطنتنا وآمالنا تتركز هناك (فيليبي 3: 20 و21). ومركزنا هنا قريب الشبه بالسفير الذي يمثل بلداً آخراً (2 كو5: 20 و21) طالبين الخير والبركة للجميع, فمع أننا في هذا العالم ولكننا لسنا منه. وعلينا أن نُظهِر اللطف والمحبة لغير المخلصين عندما نحذرهم بوقوع القضاء الآتي ونطلب منهم أن يقبلوا الرب يسوع كمخلصهم. ونحن ننتظر مجيء المسيح لكي يأخذنا إلى بيتنا في العلا. عندئذ سننفصل انفصالاً تاماً عن هذا العالم إلى الأبد. فياله من إنقاذ مجيد سيتحقق.
ونقرأ أيضاً في عبرانيين 10: 10 "فبهذه المشيئة نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة". والفكرة هنا ليست الانفصال عن العالم كنظام (الذي كنا نتكلم عنه الآن), بل بالحري مركز المؤمن في ارتباطه بالنظام الديني وطقوس العبادة تحت الناموس. هنا نجد أن موت المسيح يفصلنا عن كل الطقوس اليهودية, التي هي "ظل الأمور العتيدة". ومع أننا لسنا عبرانيين, ولكن من الأهمية لنا أن نتأمل هذا الجزء مصلين, لأن الأنظمة الدينية المسيحية اليوم تحاكي في جزء كبير منها اليهودية, ومكاننا - بالنظر إلى هذا- يتضح في هذا العدد: "فلنخرج إذاً إليه خارج المحلة حاملين عارة" عبرانيين 13: 12. ولهذا فإنه بموت المسيح لم ننفصل فقط عن مسرات العالم والخطية, بل من خلط اليهودية بالمسيحية في تلك الأنظمة الدينية.
وبعد أن تحدثنا بإيجاز عن الانفصال من زاوية المركز, فلنأخذ الآن الجانب العملي منه: كان الرب يسوع قد صلى لأجل خاصته في صلاته الكهنوتية العظيمة: "قدسهم في حقك, كلامك هو حق" يوحنا 17: 17. وصلى الرسول أيضاً لأجل مؤمني تسالونيكي بهذه الكلمات: "وإله السلام نفسه يقدسكم بالتمام ولتُحفَظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح: 1تس5: 23. عالمين أننا قد انفصلنا عن عالم تحت الدينونة, وانفصلنا للسماء, وهذا بالضرورة سيؤثر على حياتنا. فإن كنا غير مرتبطين بهذا العالم فلا يجب أن نتصرف كما كنا قبلاً. "ولا تشاكلوا هذا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة" رومية 12: 2. إن حياتنا كلها ومسراتنا وسيرتنا ومظهرنا وكل شيء يجب أن يُظهِر أننا مرتبطون بالمسيح وبالسماء. وعندما نتحدث عن الانفصال ثم نطلب مكاناً في أنظمة العالم فهذا يجعل انفصالنا له مظهر خارجي فقط وليس حقيقياً. فإذا كنا نلاحظ ونجري نحو مُتَع العالم ونتغذى على حماقاته ونتابع حكمته لأجل مسيرتنا في هذه الحياة فإننا نتشبه بالعالم.
إن الانفصال الحقيقي هو عمل إلهي في القلب, ليس هو مجموعة قوانين ولكنه شخص المسيح المبارك أمام القلب. إنه يملأ القلب فيوجه أرجلنا لكي تتبعه. لقد سار هنا مرة قبلنا كالشخص المرفوض. وكان لا يزال هو الشخص المنفصل حقاً- وهو الآن في المجد- رئيس خلاصنا, ليأتي بأبناء كثيرين إلى ذات المجد. فإذا كان الانفصال هو عمل خارجي فقط فإنه يقود إلى الكبرياء والاكتفاء بالذات- وهذا شيء بغيض لدى الله. إن الانفصال الحقيقي ينتج من محبة المسيح التي تحصر القلب. وهذا يجلب له الرضى والسرور. إن الانفصال أولاً يكون للمسيح ثم لكل شيء لا يُسره "وهذه هي الغلبة التي لا تغلب العالم إيماننا" 1يوحنا5: 4.
وفي هذا الصدد نتذكر ما قاله واحد: إن الحالة العالمية معناها أن تصبح بلا قلب من نحو المسيح- ذاك الذي فدانا لنفسه بدمه الغالي الثمين. إنه "بذل نفسه لأجل خطايانا لكي ينقذنا من العالم الحاضر الشرير بحسب إرادة الله وأبينا" غلاطية 1: 4, والآن وهو في المجد قد خطب كنيسته لنفسه كعذراء عفيفة (2كو11: 2). ولكن يؤسفنا القول بأن الكنيسة والعالم غالباً ما وُجِدتا تسيرا جنباً إلى جنب. وكم كان محزناً لعريسنا السماوي الذي يرغب أن تكون عواطفنا تعلو فوق كل شيء بخلافه. "فمن أراد أن يكون محباً للعالم فقد صار عدواً لله" يعقوب4: 4. ولا يجب أن يُفهَم كأننا موضوعون تحت ناموس معين عندما نتكلم عن الانفصال. ألم يقل الرب يسوع "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي" يو 14: 15. وهذه ليست عبودية, إنها "ناموس الحرية" لكل قلب يتمتع بمحبته. فالإنسان الجديد يُسَّر بالطاعة.

 

 

 

الانفصال عن المؤمنين


تحدثنا بشأن الانفصال عن غير المؤمنين وعن الأوجه المتنوعة الواردة في 2كورنثوس6, ولكن نأتي الآن إلى مسألة سلوكنا بين أولاد الله. إننا نتكلم حقاً بكل انكسار, متحققين من الحالة الخربة لكنيسة الله وأننا جميعاً مشتركون بقدر ما في هذه النتيجة. ولا أحد فينا يمكنه أن يرفع رأسه متعالياً على الآخر, فحكم الله هو "لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه" 1كو1: 29. ولكن الله رسم لنا- على الرغم من هذه الحالة- في كلمته طريقاً لنسلك فيه, فمن جهة أمانته لا يفشل مهما عظم الفشل وازداد الانحراف في كنيسة الله. والسؤال هنا ماذا علينا أن نفعل عندما نرى شخصاً "مدعواً أخاً" يعيش في الخطية وهو لا يبالي؟ هل علينا أن نستمر معه لأننا نظن أنه مُخَلّص مع أن عيشته تهيمن الرب ؟ إننا نجد هذا السؤال في 1كو5. إذ نقرأ عن شخص كان يكسر الخبز ليذكر الرب في كنيسة كورنثوس, ولكنه كان يعيش في خطية علنية. وقد استخدم الروح القدس الرسول بولس في هذه المناسبة ليعطينا المبدأ التعليمي الذي نتصرف به في مثل هذا الموقف. إنه يُعَلّم الكنيسة أن تعزله من وسطها, ويخبر المؤمنين في كورنثوس بألا تكون لهم شركة معه ولا يؤاكلوه (أو يأكلوا معه). إنه يجب عليهم أن ينفصلوا عنه لسيره في طريق الشر. ومن المحتم بأنه لو لم تعزل الكنيسة في كورنثوس هذا الإنسان من بينها فلا بد أنهم كانوا قد اختمروا بالشر الذي سمحوا به, لأن "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (1كو5: 6). غير أن هناك جماعات مختلفة لا تتصرف هكذا. ويقولون ليس علينا أن نحكم, بل ليحكم كل مؤمن على نفسه. هذا القول صحيح من جهة ذلك- أن المؤمن الحقيقي يدين نفسه قبل أن يذكر الرب في موته (1كو11: 28-32), ولكن هذا لا يعفي الكنيسة من مسؤوليتها لكي تحكم على الشر, بحسب مل جاء في 1كو5: 11-13. لتتنقى منه. فإن لم تفعل ذلك فسيتنجس الجميع بهذا الشر ويصبحون عجيناً مختمراً. قد يكون هناك فرد ما في جماعة معينة يتصف بالإخلاص والغيرة والإيمان الصريح والعيشة التقوية ولكنه مختمر بالشر الموجود فيها, فإن بقي في مكانه دون أن يحكم على الشر يصبح مسئولاً إما أن "يتجنب الإثم" أو يصبح مشتركاً في هذا الشر الظاهر غير المحكوم عليه في هذه الجماعة. وتلك نقطة هامة يجب أن تُؤخذ في الاعتبار.
هذه النقطة تأتي بنا إلى جزء كتابي آخر بصدد الانفصال في 2تيموثاوس2: 15-22 ولا نجد في هذا الجزء الشر الأدبي بل بالحري الشر التعليمي. فالبعض قد نادى بأن "القيامة قد صارت" وبذلك فإن أساسيات الإيمان تُهاجَم. فهل كان على هؤلاء الذين يرغبون في إرضاء الرب أن يستمروا معهم؟ وعندما يوصيهم الرسول بما يعلموه فإنه يقارن المسيحية ببيت كبير به آنية للكرامة وآنية للهوان. وجميع الذين في هذا البيت الكبير من المسيحية يستغلون اسم الرب والبعض منهم هم أواني الهوان لأن التعاليم التي يُعَلِّمونها تهين المسيح وعمله. فإذا أراد أحد أن يكون إناء للكرامة فأي طريق للطاعة يجب عليه أن يسلك؟ إنه لا يقدر أن يترك "البيت الكبير" وهذا صحيح, ولكنه يستطيع أن يُطهِّر نفسه بالانفصال عن أواني الهوان. ويقال له أن "يتجنب الإثم". فربما يكون شخص ما يُعَلِّم تعاليم شريرة وهو مؤمن حقيقي. إذ "يعلّم الرب الذين هم له", ولكن هذا لا يُبَدِل من مسئولية الذي يريد أن يكون طائعاً, فلننفصل عن الذين يحتضنون تعاليماً شريرة, وإذا فعلنا ذلك فسننفصل بالضرورة عن مؤمنين حقيقيين لأنهم اختاروا البقاء في أماكن بها شرور تعليمية أو أدبية, وهم يشعرون أنهم قادرون أن يفعلوا أشياء حسنة. ولكن الشخص الطائع الذي ينفصل يُقَدِّر ولاءه للمسيح أكثر من ولائه لأصدقائه وأكثر من خدمته. فالانفصال لا يجعله يقيم روابط مع ما يخالف الكتاب. إنه الآن "مستعد لكل عمل صالح" فيالها من حرية مفرحة حقاً.
صديقي المؤمن: ليتك تتأمل هذا الأمر جيداً, فإن كانت لك روابط مع أناس تخدم أو تعبد معهم, وهم يدمجون الحق بالباطل فعلينا أن ننفصل عنهم. لا يهم إن كان البعض من هؤلاء مؤمنين ممتازين, فإننا دعينا للطاعة.إننا بكل يقين نحب كل أولاد الله الحقيقيين الذين في تلك الأماكن ولكن الأمانة للمسيح تأتي أولاً.
وإذ نخرج من دوائر التشويش منفصلين (وهذه دعوة فردية) فإن المؤمن الطائع سيجد آخرين قد سمعوا ذات الدعوة, "إن طهّر أحد نفسه من هذه", ومع هؤلاء يستطيع أن يعيش في شركة. إنه سيجد آخرين "يتبعون البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي". إنه لا يكون بمفرده لأن روح الله يدّرب آخرين أيضاً ويجمعهم من هذا التشويش إلى الاسم الغالي لربنا يسوع المسيح. إنه أمر بسيط وواضح, وتعزية حقيقية للقلب الذي انحصر لإتباع الرب بالطاعة.
وأمامنا الآن أيضاً ثلاثة أجزاء كتابية نرغب أن نتأمل فيها بالارتباط بموضوعنا: متى18: 20, 1كو10, أف4: 3و4. ومن المهم أن نرى أن الكنيسة ليست هي مجموعة من المؤمنين اجتمعوا بحريتهم الشخصية, ولكنهم قد جُمِعوا بالروح إلى اسم الرب يسوع. ويمكن لأي مجموعة أن تقيم مائدة مستقلة وتختار أي اسم أو حتى اسم الرب يسوع المسيح ولكن ليست هذه وحدانية الروح. بل إنها الاستقلالية. في1كورنثوس10: 17 نتعلم أن الرغيف الواحد الذي على مائدة الرب هو رمز لجسد المسيح الواحد الذي نجد فيه كل مؤمن في العالم يسكن فيه الروح القدس أنه عضو في ذلك الجسد. وهذا يغلق تماماً فكرة الاستقلالية. هناك جسد واحد وعلينا أن نجتهد "في حفظ وحدانية الروح برباط السلام".
وكما رأينا في كلمة الله ضرورة الانفصال عن غير المؤمنين, وعن الشرور الأدبية, وعن الشرور التعليمية. ولكن السير بمبدأ الاستقلالية حتى لو كنا صحيحين في الإيمان وفي التقوى, فليس هذا طريق الرب. هناك مجموعات مستقلة من المؤمنين لها أسماء متعددة وربما لها اسم الرب يسوع المسيح- كما أشرنا قبلاً- ولكن ليس هذا هو الطريق الكتابي للاجتماع. فالكنيسة الحقيقية تشمل جميع المؤمنين وهي جسد واحد. هذا الحق مُعَبَّر عنه في مائدة الرب. والشخص الذي يريد أن يكون بحق للمسيح يجد أنه لا يمكن أن يكون في شركة مع الجماعات المستقلة حتى لو ضمّت مؤمنين حقيقيين (2تس3: 14و15). إنه سلطان الرب وليس الترتيب البشري الذي يجب أن يُعتَرف به في وسط أولئك المجتمعين إلى الاسم الغالي لربنا يسوع المسيح. فقد يكون هناك ضعف شديد ظاهراً- أكثر من الاجتماعات البشرية- ولكن هذا يختبرنا إن كنا نرغب مع وجود القوة اليسيرة أن نحفظ كلمة المسيح ولا ننكر اسمه (رؤيا3: 8).
والمجموعات المستقلة من المؤمنين حتى الذين لهم قدر كبير من الحق, فإنهم آجلاً أم عاجلاً سيتحولون إلى التنظيم البشري والخدمات المرتبة والموسيقى الدينية وكثير من الأشياء المقتبسة من اليهودية. فإن لم نرَ الحق المختص بالكنيسة باعتبارها جسد المسيح, والتعبير عنها في كسر الخبز, فإننا نميل إلى استخدام الوسائل الجسدية لجذب الناس معاً بدلاً من الاعتماد على روح الله الذي يجمعهم. هذه هي اليهودية التي فيها "قدس عالمي" عب9: 1. إن الإنسان تحت التجربة. وقد أعطى الله هذه الأشياء التي تُسِّر الطبيعة الدينية لتمتحنه. في اليهودية كان المخلصين وغير المخلصين يعبدون معاً, إذ لم يكن يتطلب الأمر من الإنسان أن يولد ثانية لكي يتمتع بهذه الطقوس الدينية والموسيقى الدينية. وعند الصليب كان أولئك الذين لهم هذه المظاهر الدينية هم الذين رفضوا وصلبوا ماسياهم. ولذلك فإن الله قد طرح جانباً ترتيب الأشياء القديمة المدعوة "المحلة", ودعا خاصته أن يخرجوا خارجاً إلى المسيح المرفوض حاملين عاره (عب13: 12). ليتنا ننتبه إلى دعوته ونقدّر مكان وامتياز اجتماعنا كأعضاء جسد المسيح لنتذكره بحسب الطريق الذي اختاره حتى يجيء.
وفي كتابة هذه السطور يتحقق المرء أنه شيء خطير أن نتكلم عن الانفصال. وبالتأكيد فإنه لا يقدر أي مؤمن أن يفتخر على أخيه بأنه أفضل منه, بل يمكنه أن يقول: "بنعمة الله أنا ما أنا" 1كو15: 10. والله يخبر شعبه إسرائيل أن كثيرين ممن يسيرون بتهاون يقولون: "قف عندك. لا تدنُ مني لأني أقدس منك" أش65: 5 إن هؤلاء دخان في أنفه. فعلينا أن نتضع أمام الرب بسبب فشلنا المتكرر ونقائصنا. ولكن كل هذا لا يغير كلمته, ولا طريق الطاعة البسيطة. نحن نجتهد أن نسير بالانفصال لا لأننا نظن أننا أفضل من الآخرين, بل لأننا ندرك جيدً أننا نحتاج إلى قوته الحافظة لنا. إنه وعدنا فقط أن يحفظنا في طريق الطاعة, والادعاء بأن نسلك في عدم الطاعة هو ادّعاء بأننا قادرون أن نحفظ أنفسنا.
ونحن نستودع هذه الأجزاء الكتابية التي توقفنا عندها والملاحظات التي أبديناها للقارئ طالبين منه أن يقرأها في روح الصلاة. وليتنا نكون مثل البقية في أيام عزرا 8: 21 "لنطلب منه طريقاً مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل ما لنا". وسنجد أن الطريق يقودنا إلى الانفصال من كل ما يهين ربنا المبارك ومخلصنا. ليتنا نفكر فيما احتمل لأجلنا ليجعلنا شعباً لنفسه, وقلوبنا ستنحصر بسرعة في تلك المحبة المنقطعة النظير لنتبعه, الذي قال: "قدسهم (أو افصلهم) في حقك كلامك هو حق" يوحنا17: 17.

جوردن هاي هو



الأحد، 6 أبريل 2014

الراحة الحقيقية

الراحة الحقيقية
 "ثم تحولنا وارتحلنا إلى البرية على طريق بحر سوف كما كلمنا الرب ودُرنا بجبل سعير أياماً كثيرة" (تث 2 : 1)
وما أجمل لفظ «نا» هنا، فموسى يشرك نفسه مع الجماعة، وهو مع يشوع وكالب الثلاثة قد رجعوا إلى البرية مع الجماعة كلها غير المؤمنة، وهذا في نظر الإنسان الطبيعي ربما يعتبر قساوة، ولكنه في الواقع كان خيراً وبركة، ولا يوجد أحسن من الخضوع لإرادة الله ذلك الخضوع المقترن ببركة الرب دائماً أبداً.  وإن كنا في أوقات كثيرة لا نستطيع أن نرى الأسباب أو نعرف مجريات الأمور التي تستلزم الخضوع الكامل لإرادة الرب.  ومع أن موسى ويشوع وكالب كانوا على تمام الاستعداد للذهاب لأرض الموعد، ومع ذلك لم تَبدُ من عبيد الرب الثلاثة الكرام كلمة تذمر أو أنين بسبب عودتهم إلى البرية ليتغربوا فيها مدة مديدة، وقد انصاعوا لأمر الرب وحسناً فعلوا، لأن يهوه العظيم قد تنازل وتحوّل مع شعبه وارتحل إلى البرية.  وكيف كان يخطر ببالهم أن يشكوا أو يتذمروا وقد رأوا عربة إله إسرائيل متجهة نحو البرية، ولابد وأن تكون نعمة الله وصبره، ورحمة الله وطول أناته قد علمتهم أن يقبلوا بفكر مستريح العودة إلى البرية والتغرُّب فيها وأن ينتظروا الوقت الذي عيّنه الرب لدخول أرض الموعد.  ولا يوجد أعظم من الخضوع دائماً والتواضع تحت يد الله القوية.  ومن المؤكد أن هذا التدريب النفيس يؤدي بنا إلى محصول وفير وخير جزيل.  وسر الراحة الحقيقية هو في حمل نير المسيح، وقد أكد لنا السيد ذلك بقوله «تعالوا إليَّ يا جميع المُتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم.  احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.  لأن نيري هيّن وحملي خفيف».
وما هو هذا النير؟ الخضوع الكامل والمُطلق لإرادة الآب.  وهذا ما نراه مجسماً ولدرجة الكمال في شخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح المعبود المبارك، وقد قال مرة بفمه الكريم «نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك».  فأهم شيء عند الرب يسوع مسرة الآب، وكل شيء عنده يُقاس بمقياس هذه المسرة.  وعلى أثر أن رُفضت شهادته وظهر كأن جميع مجهوداته ذهبت عبثاً وقواه صُرفت على غير طائل.  على أثر ذلك كله استطاع أن يقول «أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض» فكل ما يُسرّ قلب الآب، يفرح قلبه هو أيضاً، وما من فكر أو رغبة عنده إلا وهى متفقة تمام الاتفاق مع إرادة الله.
ولذلك تمتع كإنسان بالراحة الكاملة دائماً، وقد استراح في المشورات والمقاصد الإلهية، ولم يضطرب مجرى سلامه من الأول للآخر.
هذا هو نير المسيح الذي يدعونا من فرط نعمته غير المحدودة لأن نحمله لكي نجد نحن أيضاً راحة لنفوسنا، ولنلاحظ بنوع خاص ونجتهد في فهم الكلمات الآتية: «فتجدوا راحة» ولا يجوز لنا أن نخلط بين الراحة التي يعطيها والراحة التي نجدها، فالنفس المُتعبة والمثقلة بالأحمال، بمجرد أن تأتي إلى الرب يسوع بالإيمان الصريح الصادق البسيط، يعطيها راحة وطيدة - الراحة الناشئة عن اليقين التام بالعمل الكامل الذي بمقتضاه قد أُبطلت الخطية إلى الأبد ونالت تلك النفس براً كاملاً.  فالمسيح مات لأجل خطايانا، وقام لأجل تبريرنا وبذلك حُلّت كل المشكلات بطريقة إلهية أبدية، وتمجد الله وأُسكت الشيطان، وهدأ الضمير واستراح تماماً.
هذه هي الراحة التي يعطيها الرب يسوع لنا بمجرد أن نأتي إليه.  ولكن من الجهة الأخرى علينا أن نجتاز الحياة اليومية بكل مناظرها وظروفها، ولابد وأن نُصادف أثناء اجتيازنا تجارب وضيقات وتدريبات وصدمات ومعاكسات وخيبة آمال متنوعة، وهذه كلها لا تستطيع أن تؤثر قط على الراحة التي يعطيها الرب يسوع، ولكنها ربما تؤثر كثيراً على الراحة التي نجدها.
هذه الأشياء كلها لا تُتعب الضمير ولكنها ربما تُتعب القلب كثيراً وتجعله في حالة القلق والفزع والاضطراب، وعلى سبيل التمثيل نقول: إنني دُعيت لأن أعظ في جلاسجو، فلبيت الدعوة وأُعلن عن ذلك، ولكن بالأسف أتى الوقت المعيّن فإذا بي طريح الفراش في لندن.  مثل هذا الظرف لا يؤثر على ضميري ولا يتعبه، ولكن يصح أن يُتعب قلبي ويجعلني غير مستريح، وكأني في حالة الحمى والهذيان، أقول: حقاً إنه لأمر مُتعب جداً مؤدِ إلى الخيبة والفشل.  ماذا أعمل بإزاء هذا الظرف المعاكس غير المنتظر؟
وكيف يليق بنا أن نقابل مثل هذه الحالة؟ وما هى الطريقة والواسطة التي تهدئ القلب المضطرب وتلّطف من حدة الذهن المتقد؟ ما هى حاجتي وأي شيء أريد؟ أحتاج في مثل هذه الحالة إلى الراحة ولكن أين أجدها؟ أجدها إذا طأطأت رأسي وحملت نير المسيح الثمين على كتفي؛ ذلك النير الذي حمله السيد في أيام جسده - نير الخضوع الكامل لإرادة الله.  أحتاج لأن أكون في حالة أستطيع أن أقول فيها من أعماق قلبي وبدون قيد ولا شرط «لتكن مشيئتك يارب» أحتاج إلى شعور حي عميق بمبلغ محبة الله الكاملة من نحوي، وحكمته غير المحدودة في كل معاملاته معي حتى أرضى بما يرضيه في كل شيء، ولا أرغب عنه بديلاً، بمعنى أنه لو كان في مقدوري أن أغير مركزي وظروفي لما أقدمت على تحريك أصبعي نحو ذلك، لأنني متيقن أنه خير لي أن أكون طريح الفراش في لندن عن أن أقف واعظاً في جلاسجو مادامت هذه هى إرادة الرب.
هذا هو سر راحة القلب الثمينة العميقة بالمقابلة مع اضطراب القلب وارتباكه، وهذا السر عبارة عن إمكانية تقديم الشكر القلبي لله في كل شيء مهما كان يخالف إرادتنا الذاتية أو يتعارض مع مشروعاتنا الخاصة، وهذا كله يستلزم التسليم القلبي الصادق بالحق القائل «كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده».  ويستلزم أيضاً الشعور الأكيد والتحقق العملي من أن ما يعينه لنا الله لابد وأن يكون أحسن شيء لنا.  وبالاختصار نجد راحة القلب في الاستناد على محبة الله وحكمته وقدرته وأمانته، تلك المحبة التي جعلته يتولى أمرنا ويعتني بنا ويرتب لنا كل شيء ويدبر ما نحن في حاجة إليه في الوقت الحاضر وفي الأبدية أيضاً، ونحن نعلم أن المحبة تبذل أقصى ما في وسعها دائماً لأجل مَنْ تحب، أو على هذا القياس نجد إلهنا قد عمل لأجلنا أعظم ما يمكن عمله، فكيف لا تكتفي قلوبنا بما عمله إلهنا لأجلنا ولازال يعتني بنا عناية لا حد لها تتناسب مع محبته التي لا حد لها.
ولكي يستطيع القلب أن يكتفي ويقنع بإرادة الله، يجب أن يعرف الله أولاً ويختبر صلاحه.  في جنة عدن بعد أن أغوت الحية حواء أصبحت غير قانعة بإرادة الله، فقد اشتهت حواء شيئاً منعه عنها الله، وهذا الشيء تعهد الشيطان بأن يقدمه لها، وقد ظنت حواء أن الشيطان في استطاعته أن يراعي صالحها أكثر من الله، واعتقدت أن ظروفها تتحسن لو نزعت نفسها من بين يدي الله وسلَّمت زمامها ليدي الشيطان.  ولهذا يستحيل على القلب غير المتجدد بأي حال أن يستريح في إرادة الله، وكلما فحصنا القلب البشري ووصلنا إلى أعماقه وأجرينا تحليلاً دقيقاً أميناً لكل مراميه وأغراضه، كلما تحققنا أن القلب غير المتجدد تتنافى أفكاره مع إرادة الله.  ولا يوجد فكر واحد من الأفكار التي تخرج من القلب تتفق مع إرادة الله الصالحة، وحتى أولاد الله المسيحيون بالحق إن لم تَمُت إرادتهم الذاتية بنعمة الله ويحسبوا أنفسهم أمواتاً ويسلكوا بالروح، فغير مستطاع لديهم أن يُسّروا بإرادة الله ويشكروا في كل شيء.  ومن أصدق الدلائل على الولادة الجديدة أن يقول الإنسان من أعماق قلبه بدون قيد ولا شرط وفي كل الظروف التي يسمح الرب أن يُجيزه فيها «لتكن إرادتك» «نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك».  وبكل تأكيد لا يستطيع الشيطان أن يؤثر على مثل ذلك القلب الخاضع لإرادة الله.  ومن المهم جداً أن يصل المؤمن إلى حالة روحية فيها يقول للشيطان وللعالم، لا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق، وينادي ليس فقط بشفتيه بل بحياته وقلبه: إني راض كل الرضا ومُسلِّم كل التسليم لإرادة الله.
هذا هو طريق الراحة، فيا ليتنا نسير فيه عملياً، بل هذا هو البلسان السماوي لكل انزعاج واضطراب في الحياة، والدواء الشافي لروح التذمر والأنين وعدم الرضى بما قسم لنا، الأمر المُشاهد كثيراً لسوء الحظ في الوقت الحاضر.  وفي الرضى والتسليم لإرادة الله الضمان الكافي لإيقاف تيار حب الشهرة والطموح للرفعة والجاه، ذلك التيار المنافي لفكر المسيح وروحه والمتفق مع أميال ورغائب أهل هذا الدهر.
يا ليت أيها القارئ العزيز تكون لنا الغيرة المقدسة التي تدفعنا لأن ندرب أنفسنا حتى يكون لنا الروح الوديع الهادئ الكثير الثمن في نظر الله، الروح الذي يخضع لإرادة الله الصالحة في كل شيء ويبرر معاملات الله مهما كانت ويحامي عنها مهما كلفه ذلك، وعندئذ يفيض سلامنا كنهر جار ويتمجد اسم ربنا يسوع المسيح في حياتنا وسلوكنا وخصالنا.
وقبل أن ننتقل من هذه النقطة المهمة وهذا الموضوع العملي، يحسن بنا أن نُبدي الملاحظة الآتية وهى: أن هناك حالات ثلاث للنفس بخصوص معاملات الله وهى الخضوع والرضى والابتهاج.  فالنفس تخضع لإرادة الله عندما تنكسر إرادتها الذاتية، والنفس ترضى وتقبل هذه الإرادة الصالحة عندما يستنير الذهن من جهة القصد الإلهي، وتبتهج النفس بإرادة الله عندما تنشغل أميالها وتنحصر أشواقها في الله ذاته.  لهذا نقرأ في الأصحاح العاشر من إنجيل لوقا ما يأتي حرفياً: «وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال، نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك».  فهذا الشخص المبارك وجد سروره الكامل في إتمام إرادة الله من كل وجه، فكان طعامه وشرابه أن يصنع مشيئة الله مهما كلفه ذلك.  وسواء في الخدمة أو الآلام، في الحياة أو الموت كان غرضه الوحيد صُنع مشيئة الله، وقد استطاع أن يقول بحق «لأني في كل حين أفعل ما يرضيه».  لاسمه الأسنى كل سُبح وسجود إلى أبد الآبدين.

ماكنتوش

الأحد، 29 ديسمبر 2013

سبع محطات راحة يسكن فيها المؤمن

سبع محطات راحة يسكن فيها المؤمن

1 - محبة الرب
2 - رعوية الرب
3 - التسبيح المستمر
4 - ذراع الرب وحمايته الكامله
5 - شركة المحبة الأخوية
6 - صوت الرب
7 - قمة الشركة مع الآب والإبن

أولا - محطة - محبة الرب -
سفر التثنية السفر الخامس والأخير من أسفار موسى رجل الله ص 33 :3, 12 - فأحب الشعب. جميع قديسيه في يدك وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك ولبنيامين قال حبيب الرب يسكن لديه آمنا يستره طول النهار وبين منكبيه يسكن - ما أروع الاعلان عن قلب الله - فأحب الشعب - ليس هناك في الشعب أي شيء يجعل قلب الله يتجه إلى ذلك الشعب بالمحبة لكن هذا هو قلبه والجود العظيم الذي في طبيعته لكن الإعلان الثاني عن ذات الله - جميع قديسيه في يدك - موسى يوجه كلامه إلى ذات الله السائر مع الشعب في البرية كما أمسك به في بدء المسيرة - إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا - خر 33 : 15 -
لكن هنا نجد عبارة عجيبة - جميع قديسيه في يدك - قديسي من ؟ قديسي الله الآب ! في يد من ؟ في يدك أنت الله الابن ! وهذه مع كل إعلانات الوحي المقدس كله ترينا تميز الأقانيم في ذات اللاهوت الواحد وأروع مثل لهذا الإعلان نجده في صلاة الابن المبارك للآب المحب في - يو 17 : 6 - أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني من العالم كانوا لك وأعطيتهم لي - وهذا هو التفسير الرائع الجميل - جميع قديسيه - قديسي الله الآب - في يدك - في يدك أنت الله الابن -
ثم الإعلان الثالث عن مخطط الله - حبيب الرب يسكن لديه آمنا - من هو حبيب الرب ؟ الكتاب يعلن عن محبة الله لكل إنسان في العالم - لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلُص به العالم - وبهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به, في هذا هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل أن هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا - يو 3 : 16و 17 1يو 4 :9و10 -
إذاً من هو حبيب الرب ؟ هو الذي صدق هذه المحبة ومن أعماق قلبه يهتف أن هذا الفداء العظيم على الصليب كان لأجلي أنا شخصيا - إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي - غل 2 :0 2 - ليت هذه المحبة تحصر قلوبنا وأفكارنا دائما - لأن محبة المسيح تحصرنا - 2 كو5 : 14 , - واحفظوا أنفسكم في محبة الله - يهوذا 12 ليتنا نسكن دائما في هذه المحبة.
ثانيا - محطة رعوية الرب
الرب راعي فلا يعوزني شيء .. ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقي مسحت بالدهن رأسي كأسي ريا إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي وأسكن في بيت الرب كل أيام حياتي - مز 23 : 1 و5 و6 - محطة الشبع الكامل والقناعة الكاملة والراحة الكاملة والإمداد الكامل والفرح الغامر ونهاية مطاف مجيدة.
لا ننس ترتيب الروح القدس للمزامير, مز 23 رعوية الرب الكاملة تأتي مباشرة بعد مزمور الصليب العجيب مز 22 إذ فيه يصف داود مشهد الصليب بتفصيل مذهل وكما نعلم من التاريخ المقدس أن داود ملك على إسرائيل قبل الصليب بألف سنة إسمعه وهو يقول - ثقبوا يدي ورجلي . يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون - مز 22 : 16, 18 وقد تم حرفيا في الرب يسوع - راجع لو 23 : 34, يو 19 : 23 - ماأروع التقرير - الرب راعي فلا يعوزني شيء - ثم نهاية التقرير - إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي وأسكن في بيت الرب إلى مدي الأيام -
ثالثا - مز 48 محطة التسبيح المستمر
- طوبي للساكنين في بيتك أبدا يسبحونك - محطة التسبيح هنا نري المؤمن مسبحا بلا انقطاع كما يقرر الرسول بولس في - عب 13 :15 - فلنقدم به - أي بربنا يسوع المسيح - في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه - والفرح والتسبيح المستمر بلا انقطاع هما طابع المسيحي الحقيقي بحسب رسم الكتاب المقدس.
أولا - لأن هذه هي حياة المسيح نفسه هنا على الأرض ورغبة قلبه العميقة لنا - كما أحبني الآب كذلك أحببتكم أنا, اثبتوا في محبتي. كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم - يو 15 : 9 - 11 -
ثانيا - هذه هي مشيئة الله لحياتنا - افرحوا كل حين صلوا بلا انقطاع اشكروا في كل شيء لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم - 1تس 5 : 15 - 17 -
ثالثا - الفرح في المسيح هو مصدر قوة لنا بالروح القدس - ثمر الروح محبة فرح سلام - غل 5 : 22 - وفرح الرب هو قوتكم - نح 8 : 10 -
رابعا - محطة ذراع الرب وحمايته الكاملة - مز 91 -
الساكن في ستر العلي في ظل القدير يبيت أقول للرب ملجأي وحصني إلهي فاتكل عليه لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن الوبأ الخطر بخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمي - ترس ومجن حقه لاتخشي من خوف الليل ولامن سهم يطير في النهار ولامن وبأ يسلك في الدجي ولامن هلاك يفسد في الظهيرة .. لأنك قلت أنت يا رب ملجأي جعلت العلي مسكنك لأنه تعلق بي أنجيه أرفعه لأنه عرف اسمي يدعوني فأستجيب له معه أنا في الضيق أنقذه وأمجده -
- أولا - السكن : يتكرر مرتين الأولى في ستر العلي أي تحت حمايته - ع 1 - لكن ع 9 مسكنه في العلي ذاته أي ارتباط قلبي عميق وفي هذا نمو في معرفة الله لأن هذا هو قصد الله أن يكون هو ملء النفس والروح.
- ثانيا - واسطة هذا الارتباط هو الكلمة المقدسة ترس ومجن حقه - إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ماتريدون فيكون لكم - يو 15 : 7 - وسر دمار الإنسان وجهله وعبوديته للخطية والشيطان هو إهماله الكلمة - أليس لهذا تضلون إذ لاتعرفون الكتب ولا قوة الله .. فأنتم إذا تضلون كثيرا - مر 12 : 24 - ها قد رفضوا كلمة الرب فأية حكمة لهم - إر 8 : 9 -
- ثالثا - الارتباط بالله في ذهن الملايين أمر يحتاج إلى أعمال عظيمة أو إلى خطوات أو تدريبات على مدي سنين لكن إعلان الوحي المقدس أن الله لا يطلب من الإنسان إلا كلمات فقط. لكن بشرط أن تكون الكلمات الخارجة من الفم تعبر عما في القلب, كلمات نتيجة لعمل كلمته هو في القلب. ما أروع الإعلان هنا - أقول للرب ملجأي وحصني فأتكل عليه - ع2 - وشهادة الله له - ع 9 - لأنك قلت أنت يا رب ملجأي جعلت العلي مسكنك - ثم نري هذا الأمر أيضا في دعوة الرب لإسرائيل في - هو 14 - ارجع يا إسرائيل إلى الرب إلهك لأنك قد تعثرت بإثمك خذوا معكم كلاما وارجعوا إلى الرب قولوا له إرفع كل إثم واقبل حسنا فنقدم عجول شفاهنا -
- رابعا - الحماية الإلهية تشمل 4 جوانب أو 4 أركان العالم
الركن الأول : - لا تخشى من خوف الليل - ظلام العالم. كم من ظلام يسود أفكار البشر والعدو أعمي أذهانهم بخرافات رهيبة تسيطر على حياتهم وتصرفاتهم والانحطاط الأخلاقي يملأ المشهد تماما لكن الذي احتمي في عمل ربنا يسوع المسيح على الصليب يستطيع أن يهتف - شاكرين الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته - كو 1 : 21 - وإرسالية الرب يسوع المسيح لعبده بولس في لحظة إظهار ذاته له - أنا الآن أرسلك إلى الأمم لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيبا مع المقدسين - أع 26 : 18 -
الركن الثاني : - ولا من سهم يطير في النهار - الذي هو طيش وجنون العالم أي الاندفاع والغرور. والذي تمتع بخلاص الله العظيم بنعمة ربنا يسوع المسيح اختبر أن ذات النعمة المخلصة هي التي تعلمنا نحن المخلصين أن نعيش بالتعقل والبر والتقوى - تي 2 : 11 و12 - والصلوات الحارة في حياة المؤمن يجب أن يسبقها التعقل في الكلام والتصرف مع الناس - وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت فتعقلوا واصحوا للصلوات - 1 بط 4 : 7 - ولا توجد عبادة مشبعة لقلب الرب إن لم تقترن بالتعقل في الترنم والصلوات وخدمة الكلمة في الكنيسة - فإني أقول بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتئي إلى التعقل كما قسم الله لكل واحد مقدارا من الإيمان - رو 21 :3 -
الركن الثالث : ولا من وبأ يسلك في الدجى - الأمراض الروحية المفسدة لحياة الملايين المسكر والمخدرات ومرض الهياج والسخط والتسرع في الكلام - يع 1 : 19 -
الركن الرابع : الخسائر التي قد تصيبنا في العالم - هلاك يفسد في الظهيرة - لأننا نحن المخلصين نعلم - أن كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله - رو 8 : 28 -
خامسا - محطة شركة المحبة الأخوية - مز 133
- هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معا مثل الدهن الطيب .. مثل ندي حرمون النازل على جبل صهيون لأنه هناك أمر الرب بالبركة حياة إلى الأبد -
- أولا - المحبة الأخوية الصادقة لا يمكن اختبارها إلا بعد التمتع بالفداء بالإيمان القلبي بعمل ربنا يسوع المسيح على الصليب لأجلي أنا شخصيا وهكذا أتمتع بالتبرير الإلهي وهكذا اختبر المحبة الإلهية النابعة من القلب للرب أولا ثم للإخوة - فإذ قد تبررنا بالإيمان فلنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح الذي به قد صار الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون ... لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا - رو 5 : 1 - 5 -
- ثانيا - المحبة الأخوية تحتاج إلى سهر وتطهير القلب باستمرار من أقل تكدير - طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء فأحبوا بعضكم بعضا من قلب طاهر بشدة - 1بط 1 : 22 -
- ثالثا - المحبة الأخوية تأتي على قمة فضائل الإيمان - ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في إيمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعففا وفي التعفف صبرا وفي الصبر تقوي وفي التقوي مودة أخوية وفي المودة الأخوية محبة - بط 1 : 5 - 7 -
- رابعا - المحبة الأخوية تحتاج إلى التدريب وترتيب البيت على الضيافة - لتثبت المحبة الأخوية لا تنسوا إضافة الغرباء لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لايدرون - عب 13 :1 - لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا كونوا مضيفين بعضكم بعضا بلا دمدمة - 1بط 4 : 8 و9 -
- خامسا - لاننس خطورة هذا الأمر إذ يتوقف عليه شهادتنا لاسم ربنا يسوع المسيح - وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضا لبعض - يو 13 : 34 و35.
- سادسا - أم 1 : 33 - محطة صوت الرب
- أما المستمع لي فيسكن آمنا ويستريح من خوف الشر - لايمكن أن تحصي البركات التي نحصل عليها من هذه المحطة.
- أولا - التنقية - أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذي كلمتكم به - يو 15 : 2 - أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهرا إياها بغسل الماء بالكلمة - أف 5 : 25 -
- ثانيا - حياة الانتصار على العدو - كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير - أف 6 : 15, 1يو 2 : 14 -
- ثالثا - الامتلاء بالروح القدس - لتسكن فيكم كلمة المسيح بغني وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية بنعمة مترنمين في قلوبكم للرب - كو 3 :16 و17, أف 5 : 19 -
- رابعا - النمو في القامة الروحية - في كل كمالات المسيح - وكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح - 1بط 2 : 3 -
- خامسا - الامتلاء بالتعقل - فتح كلامك ينير يعقل الجهال - مز 911 : 031 - ها قد رفضوا كلمة الرب فأية حكمة لهم - إر 8 : 9 -
- سادسا - حمايتنا من الضلال في التعليم والسلوك - أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله .. فأنتم إذا تضلون كثيرا - مر 12 : 24 -
- سابعا - استجابة الصلوات - إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ماتريدون فيكون لكم - يو 51 : 7 -
سابعا - محطة قمة الشركة مع الآب والإبن - إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلا - يو 14 : 23 -

الاخ / مراد امين

الخميس، 12 ديسمبر 2013

الابوة من منظور الهي

الابوة من منظور الهي

ما هي الأبوة، وما هو الأب الناجح؟

نحيا في مجتمعاً الذي يضع تعريفاً لكل شيء، ليس تعريفاً رسمياً مكتوباً ومنطوقاً وموقع عليه من الجميع، ولكنه تعريفاً حسبما أتفق. سوف أضع تعريف المجتمع والعالم للأب، ولكنه تعريفاً خاطئاً.

التعريف العالمي الخاطئ للأب الناجح:
{{هو ذاك الذي يقود عائلته لحياة سعيدة ويوفر لهم حياة كريمة ويعمل له أولاده ألف حساب، وتتطيعه زوجته الجميلة في كل شيء، ونتيجة تربيته لأولاده يصيرون أطباء ومهندسون ورجال أعمال ناجحون ويمتلكون سيارات وفيلات ويسافرون للتعلم في الخارج ويتزجون زوجات وأزواج من نفس عينتهم الإجتماعية}}
آه كم هي سطحية هذه النظرة… ولكنه للأسف النظرة السائدة… حتى بين المؤمنين الحقيقيين.

والآن هل هناك تعريفاً كتابياً للأب الناجح ذو العائلة السعيدة؟

يقول كاتب المزمور: “طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ، وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ. لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ، طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ. امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ. هكَذَا يُبَارَكُ الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الرَّبَّ. يُبَارِكُكَ الرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ، وَتُبْصِرُ خَيْرَ أُورُشَلِيمَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ، وَتَرَى بَنِي بَنِيكَ. سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ. | مزمور 128″

وهكذا يصف الحياة السعيدة بحسب فكر الله. لم يقل أنها سوف تكون غنية بالمال والوفرة والغنى والصحة. لكنه قال أن مقوماتها هي رجل يتقي الرب، إمرأة مثل الكرمة المثمرة، بنون مثل غروس الزيتون، أحفاد مثل هؤلاء الأبناء.

الأبوة الحقيقية تبدأ وتستمر في التقوى ومخافة الرب
ولكي تكون مطوباً أو سعيداً يجب أولاً أن تكون تقياً تتقي الرب وتحفظ وصاياه وتعيش سالكاً في طرقه. فإن لم تكن رجلاً قد إختبر نعمة الله وصار إبناً حقيقياً لله يعيش في ضوء حق الله ويسلك كما يحق للإنجيل، فلن تستطيع أن تساعد عائلة ما في أن تصير عائلة سعيد.
إن أعظم ما يمكن ان يعطيه الأب لأولاده ولعائلته هي أن يقودهم لمعرفة حقيقية لله. وأن يقودهم في سلوكهم اليومي معه ويرشدهم في هذا الإتجاه. وأن يعطيهم عصارة خبرة مسيرته مع الرب. ويبدو من سفر الأمثال كيف يعلم الأب ولده ما قد إختبره إذ يقول “يَا ابْنِي، لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ. | أم 3: 11-12″

الأبوة الحقيقية تكون في إنطباع صورة الآب السماوي في حياة الأب

ولكن، لو تأملنا جيداً في هذا العدد من كلمة الله، نجد أن الأب أولاً ينصح ولده بأن لا يتحقر تأديب الرب وتوبيخه، ويؤكد أنه إختبر أن هذا أمر يفعله الله مع من يحبه. ولكنه يعود ويؤكد أن الذي يحبه الرب يسر به كأبٍ بإبنه. وكأن به يقول {{يا ولدي ألا ترى كم أحبك وأسر بك، فكما أحبك وأسر بك هكذا يسر الرب بأولاده، وكما أؤدبك هكذا يؤدب الرب أولاده}}. آه، يا لها من مسئولية عظيمة مهيبة.

إن الأب هنا يحب أولاده. ويسر بأولاده. ولذا إستطاع أن يضرب لهم مثلاً ممثلاً علاقة الإنسان بالله كعلاقة الأب مع ولده. فهل يا قارئي العزيز يستطيع أولادك أن يقولوا أنك تحبهم وتسر بهم. هل تشاركهم ألعابهم مسروراً؟ هل تشاركهم إهتماماتهم؟ هل تضحك معهم وتداعبهم؟ هل تحتضنهم وتدغدغ مشاعرهم بلمساتك الرقيقية؟ هل تحرص على ما يسرهم؟ هل تعلم ما يسرهم في الأساس وتعمله لهم؟

هل تبدي لهم المحبة؟ يقولون أن كلمة محبة بالنسبة للأطفال هجائها كالتالي:
{{و ق ت}}
فالولد أو البنت سوف يدركون أنك تحبهم لما تعطيهم الوقت. ليس الوقت الذي أنت مضطر لأن تقدمه لهم في أن تذهب معهم للطبيب مثلاً وقت مرضهم، وإن كان هذا أمر هام، ولكن الوقت الذي يستمتعون به. أن تلعب معهم الكرة. أن تتأمل رسوماتهم التي لا معنى لها عندك. أن تستمع لحكاياتهم مع أصدقائهم. أن تكون صديقاً لهم.
وإن فعلت هذه يمكنك بكل ثقة أن تؤدبهم وهم واثقون في أنك تحبهم. لهذا قال الكتاب “أَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ | أف6: “4 إن التأديب من شخص محب متفهم يعطي إحساساً بالأمان والثقة. أما التأديب من شخص قاس لا يظهر سوى وقت العقاب ولا يبدي لهم سوى وجهاً متجهماً لم يروا غيره قط فهو أمر ينتج أشخاصاً مرضى ويجعل من الأب حاكماً بأمر الله يجب تجنبه والإلتفاف حوله. وهو أمر يعطي فقداناً للأمان والثقة وكراهية للمنزل وللعائلة وتوجه للتهرب من التواجد مع العائلة.


الأبوة الحقة تكون في المسير في الإيمان:
ويقول الكتاب عن الرجل الخائف الرب “فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ ثِقَةٌ شَدِيدَةٌ، وَيَكُونُ لِبَنِيهِ مَلْجَأٌ. | أم14: 26″ فالرجل المتعلم مخافة الرب يكون لديه ثقة شديدة وإيمان قوي، ولذا فهذا الرجل يحمي عائلته فيجدون في مثاله الصالح بالثقة في الرب الناتجة من مخافة الرب ملجأ لهم. يتعلمون على يديه أن يثقوا في الرب ثقة شديدة بمخافة الرب.
تأتي الرياح وتعصف بسفينة العائلة. يأتي المرض والضيق والفقر والتهديدات، وتجد العائلة أباً لا يطرح ثقته في الله (عب10: 35). يجدون رجلاً من رجال الله في وسطهم. يأتي العدو يطرح حلولاً للتخلص من الضيق، يقول {{قدم رشوة… أكذب كذبة بيضاء… إنتقم لنفسك…}}. ولكن رجلنا لا يلين ويأبى أن يقدم تنازلات للعدو لكيما يتخلص من المخاوف والضيقات. كم تستريح زوجة وأولاد وبنات في تقي مثل هذا. كم يكون بإيمانه وبثقته ومخافته للرب ملجأ لهم. سيتذكر هؤلاء الأولاد طوال الحياة في مواقف الضيق التي ستلم بهم صورة أبيهم وهو ممسكاً بالثقة ومتمسك بالرب ورافض لكل الحلول التي يقدمها العدو لكي يتخلص من الضيق ويهين الرب.

الأب الكتابي لابد أن يكون مثالاً سلوكياً لأولاده.

ويقول الكتاب “اَلصِّدِّيقُ يَسْلُكُ بِكَمَالِهِ. طُوبَى لِبَنِيهِ بَعْدَهُ. | أم20: 7″ أن الرجل الصديق السالك بالكمال فإن بنيه يكونون سعداء. فإن الرجل الذي يسلك بالكمال في مخافة الرب يعطي مثالاً لأولاده فعندما يقول لهم لا تفعلوا هذا وتلك وإفعلوا هذا وذاك فهم يعلمون أن هذه الآوامر والنواهي ليست حسب هوى الأب، ولكن هي لأنه يعطي حساباً لسلطة أعلى هي الرب. فيجب على الأب أن يذكر بنيه دائماً أن ما يعلمه إياهم هو وصايا الرب.
البعض يقع في مشكلة أن يستغل وصايا الرب في أن يجعل أولاده يطيعون ما يريده هو لا الرب. ويتحدث بإسم الرب دائماً مطالباً الأولاد بطاعة الرب في وصايا محددة ولكنه يريد في الاساس أن يستفيد هو شخصياً من طاعتهم وأن يتخلص من إزعاجهم وأن يتشرف بسلوكهم الجيد أمام الناس. وأما الرب فلا يخطر له على بال. كان الأجدر به أن يسعى لأن يكون سلوك أولاده مرضياً أمام الرب أولاً وقبل كل شيء.

يشعر الأولاد بهذا الأمر ويفهمونه جيداً. فعندما يرون الأب لا يطيع الله في سلوكياته الخاصة. يرونه يكذب، يسيئ لأمهم، يستغل من حوله، يهتم بإحتياجاته الشخصية أولاً وبعد ذلك عائلته، ويلمسون فيه الأنانية، ويجدونه في نفس الوقت يطالبهم بإسم الرب وطاعته أن يقولوا الصدق، ويحسنوا التعامل مع والدتهم، وأن يساعدوا بعضهم البعض، وأن لا يكونوا أنانيين. هذه الإزدواجية تسيئ للأولاد وتسيئ للرب وتسقط صورة الأب في عين الأولاد، وتقضي على سلطان الأب في المنزل إذ تنهار صورته أمامهم. ويستغل العدو هذا الأمر لكي يقنع الأولاد أن كل الذين ينادون بإسم الرب، مثل أبيهم، مزيفون.

الأبوة الحقة عمل شاق ومضني

وكما رأينا في المزمور في أول حديثنا حيث يحدث الروح القدس الأب ويقول له “بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ”. فالبنين مثل النباتات المغروسة. وكم يحتاج النبات من عناية ورعاية. يحتاج من يسهر عليه ويحميه من الضرر ومن يسقيه ومن يضع السماد عند جذوره، ومن يهذبه ويقطع منه كل فرع مريض.
إن السهر على الأولاد روحياً بالصلاة وبالتعليم هو أحد أهم بل وأكثر أدوار الأب حيوية وخطورة. ألم يقل الرسول أن الخادم هو “الْغَارِسُ وَالسَّاقِي… (وأن) كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ. | 1كو3: 8″ فالغروس الموجودة في بيتك يا أخي تتطلب منك أن تكون خادماً. تخدمها بالصلاة والتعليم. لقد إختفى دور الأب المعلم في المنزل. صارت العائلة تتخلص من الأولاد وتلقي بمسئولية تعليمهم الإيمان للكنيسة ومدارس الأحد. لم يكن الأمر هكذا. كم من الوقت يقابل مدرس مدارس الأحد طفلك. ساعتين أو أربعة أسبوعياً. وكم ساعة تقابله أنت؟؟ أكثر بكثير. وأما مدرس مدارس الأحد، الذي يقوم بواجبه وليباركه الرب، يكون في معظم الأحيان شاباً صغيراً لم تعتركه معارك الحياة مثلك. فالأولاد يحتاجون بالأولى لأب لا لشاب صغير في مقتبل الحياة لكي يعلمهم. يحتاجون لأب لديه السلطة أن يؤدبهم ويقومهم. ولكن مدرس مدارس الأحد مؤهل فقط لكي يكون صديقاً لهم. لهذا قال الرسول للآباء وليس للكنيسة “رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ | أف 6: 4″

إن كنت قد صرت مثالاً جيداً لهم، يمكنك الآن أن تكون معلماً لهم، تسقيهم مفردات الإيمان من الصغر. إنه عمل شاق ومضني ويحتاج منك للصلاة والسهر والتعب. ولكن لا تخف فكلمة الله تقول أن مجهوداتك سوف تلقى القبول والتقدير من الله. فيقول كاتب المزمور “الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ. الذَّاهِبُ ذَهَابًا بِالْبُكَاءِ حَامِلاً مِبْذَرَ الزَّرْعِ، مَجِيئًا يَجِيءُ بِالتَّرَنُّمِ حَامِلاً حُزَمَهُ. | مز126: 5-6″.

فربما تتعب مع الأولاد كثيراً ولا تجد ثمراً في حينه، وتتعب أياماً وأياماً وهم لا يتعلمون، وتسهر عليهم وتحبهم وتوبخهم وتقومهم وتسر بهم، وتعلمهم مرة تلو الأخرى، وتجدهم لا يتعلمون. تقف أمام الله باكياً وحائراً ثم تذهب وتقوم بواجبك مرة أخرى أمام الرب وتعلم وتحب وتسهر وتسر وتوبخ وتقوم، وهكذاً، وأنت لا ترى ثمراً مباشراً. لكن ثق… سوف يأتي وقت الحصاد يوم أن يثمر تعبك فيهم وأن ترى سلالك مملوءة من ثمر بر أولادك.

خاتمة
نرى مما سبق أنه لكي تكون أباً صالحاً ولكي تنجح في مهمتك ينبغي عليك أن تكون إبناً جيداً. نعم، إبناً جيداً لله. دون أن تكون رجلاً صديقاً تقياً تخاف الله وتعمل وصاياه، دون أن تكون إبناً حقيقياً لله، إختبر عنايته ورعايته وحمايته وتأديبه وسروره بأولاده، لن يمكن أن تكون الأب الذي في فكر الله. قد تكون أباً جيداً في مفاهيم البشر، ولكن في مفهوم الله ستكون فاشلاً


الاخ / هاني رفعت

الثلاثاء، 9 يوليو 2013

لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا

"لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا" (عب 3 : 11)

نرجو أن يفهم القارئ المسيحي جيداً أن من أسعد وأحلى امتيازاته أن يحيا حياة الإيمان بكل معنى الكلمة بغض النظر عن شخصه وعن ظروفه ومركزه، وله على حسب النعمة المُعطاة له أن يشترك مع الرسول المغبوط في حاسياته ويقول معه «فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي».  ويجب أن يحترس حتى لا يسلبه أحد هذا الامتياز السامي المقدس الذي هو من حق كل فرد من أهل الإيمان.  آه يا إخوتي نحن نفشل في أوقات كثيرة، وإيماننا يضعف أحياناً في الوقت الذي كان يجب أن يكون قوياً نشيطاً عاملاً، فالله يُسرّ بالإيمان النشيط الجريء.  وإذا تأملنا في الأناجيل الأربعة نجد أن قلب يسوع لم ينتعش ويفرح لشيء في هذه الحياة أكثر من ابتهاجه بالإيمان الحلو النشيط، بالإيمان الذي يفهم قلب الله ويستقي منه بسعة.  ويكفي لزيادة الإيضاح وعلى سبيل التمثيل فقط أن نستشهد بحادثة المرأة الفينيقية السورية الواردة في إنجيل مرقس الأصحاح السابق، وقائد المئة الوارد ذكره في الأصحاح السابع من إنجيل لوقا.
ولا نزاع في أن الرب له المجد يتنازل ويرثي للإيمان الضعيف بل يتنازل ليُجيب أضعف الإيمان فيقابل «إن أردت» بقول النعمة العجيبة «أريد فأطهر».  ويُجيب مَنْ قال «إن كنت تستطيع شيئاً» بهذا الرّد الجميل «إن كنت تستطيع أن تؤمن.  كل شيء مستطاع للمؤمن».  وإن كان يسوع بكل تأكيد يقابل أضعف نظرة وأخف لمسة بالترحاب والتشجيع، ولكن لا يفوتنا أن نذكر في هذا المقام إن قلب المخلّص قد شبع وروحه انتعشت عندما وجد الفرصة سانحة ليقول «يا امرأة عظيم إيمانك.  ليكن لكِ كما تريدين» وأيضاً «لم أجد ولا في اسرائيل إيماناً بمقدار هذا».
فلنتذكر ذلك جيداً لأن ربنا المبارك كما كان يُسرّ في أيام جسده وقت أن كان هنا بين الناس، هكذا الحال تماماً في وقتنا الحاضر، يوّد أن نثق فيه من كل القلب وأن نعطيه الفرصة بإيماننا ليعمل فينا وأن نطلب منه بلا وجل.  ومهما طلبنا منه فلا نغالي، وذلك لأن قلبه المُحب ويده الرفيعة فيهما الضمان الكافي لإجابة الطلب.  فلا شاردة صغيرة تفوته ولا واردة عظيمة تستعصي عليه، فهو المنفرد بكامل قوات السماوات والأرض، وهو رأس فوق كل شيء للكنيسة.  القابض في يده جميع العوالم، والحافظ كل الأشياء بكلمة قدرته، وإذا جاز للفلاسفة أن يتكلموا عن العناصر والنواميس الطبيعية، فالمسيحي يتفكَّر ويتكلم باغتباط وفرح عن المسيح ويده الطائلة وكلمته الفعالة الفائقة، فهو الذي به جميع الأشياء قد خُلقت وبه أيضاً جميع الأشياء تقوم.
وماذا نقول عن محبته!! ويا لها من تعزية عُظمى وراحة تامة وفرح مجيد لكل مَنْ عرف وتحقق وتذكَّر أن الخالق القدير وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، هو بعينه مُحب النفوس إلى الأبد الذي أحبنا إلى المنتهى، وعينه علينا دائماً، وقلبه يحن إلينا كل حين.  فهو الذي تكفل بسد كل أعوازنا سواء كانت جسدية أو عقلية أو روحية.  وما من حاجة من حاجاتنا الكثيرة والمتنوعة، إلا وقد تذخر لنا في المسيح ما يكفي لسدها وملئها تماماً، فهو كنز السماء، ومخزن الله وذلك كله لأجلنا.
فما دام الأمر كذلك، لماذا تتحول قلوبنا ولو مرة واحدة لغيره؟ ولماذا نكشف قلوبنا ونحيِّر إخوتنا المساكين عن حاجياتنا بطريقة مباشرة وغير مباشرة؟ ولماذا لا نذهب مباشرة ليسوع؟ هل نحن في حاجة لمن يرثي لنا ويشترك معنا في حاسياتنا؟ فمَنْ يرثي لنا نظير رئيس الكهنة العظيم الرحيم الذي تجرَّب في كل شيء ويستطيع أن يرثي لضعفاتنا؟ وهل نحن في حاجة لمساعدة من أي نوع كان؟ فمَنْ يستطيع أن يعيننا مثل صديقنا القدير صاحب الغنى الذي لا يستقصى؟ وهل نحن في حاجة لمشورة وناصح أمين؟ فمَنْ يعطي النصيحة كالوحيد المبارك الذي هو حكمة الله المجسمة والذي صار لنا من الله حكمة؟ آه يا إخوتي، يا ليتنا نجتهد حتى لا نجرح ونُدمي قلبه المُحب ونهين اسمه المجيد بتركنا إياه والتجائنا للبشر.  لنقاوم أميالنا الطبيعية التي تدفعنا لأن نثق في الخلائق دون الخالق، ونرجو مساعدة الناس ونعلّق آمالاً كباراً في البشر.  ولنثبت بجانب النبع الفائض دائماً فلا نجد مجالاً للشكوى من الينابيع التي تجف.  وبالاختصار لنجتهد أن نحيا حياة الإيمان، وبذلك نمجد الله في أيامنا وجيلنا الحاضر.

تشارلس ماكنتوش